12345
المرصد اليومي 03-07-2013

التاريخ: ٣/٧/٢٠١٣

ملايين مصر في ميادينها: إرحل! ...مرسي يتحدى بشرعيته .. ويمهّد للمواجهة
صحيفة السفير اللبنانية
تحدّى الرئيس محمد مرسي، يوم أمس، ملايين المصريين الذين فاضت بهم ميادين مصر وشوارعها، حيث خرج بعد منتصف ليل اليوم بخطاب أكد فيه تمسكه بـ«الشرعية الدستورية والقانونية والانتخابية»، عارضاً مبادرة سياسية للخروج من المأزق الذي تسبب به خلال العام الأول من حكمه، وذلك قبل ساعات من انتهاء المهلة التي حددتها القيادة العسكرية للأطراف السياسية عموماً، و«الإخوان المسلمين» بشكل خاص، لحل الأزمة التي تعصف بالبلاد.
وفيما استقبل المصريون في ميادين مصر خطاب مرسي بالطريقة ذاتها التي استقبلوا بها في الماضي خطابات مبارك، فإن أعينهم باتت متجهة نحو مقر وزارة الدفاع في العباسية، بانتظار رد فعل القيادة العسكرية على الخطاب، الذي بدا أشبه بأمر عمليات لـ«الإخوان المسلمين» و«الجماعة الإسلامية» (الحليف الباقي)، لشن الهجوم المضاد ضد المعارضة الوطنية والجيش المصري على حد سواء، بما تضمنه من تهديدات مبطنة بلغة التحذير من النفق المظلم الذي ستدخله مصر في حال عدم القبول بالمبادرة.
وقال مرسي في خطابه إن «الشرعية هي الضمان الوحيد للحفاظ على بلدنا ومنع سفك الدماء»، مؤكداً أنه «ليس حريصاً أبداً على الكرسي، لكنّ الشعب اختارني بانتخابات حرة، والدولة تنتظر مني أن ألتزم بالشرعية وأحافظ على الدستور».
ودعا مرسي المصريين إلى «الحفاظ على مصر والثورة»، مضيفاً «تجنبوا العنف في ما بينكم، وبينكم وبين الجيش، وبينكم وبين رجال الشرطة».
وأعلن مرسي عن مبادرة نقلتها اليه بعض الاحزاب «بمعرفة الحكومة والقوات المسلحة» وفيها «تغيير الحكومة وتشكيل حكومة ائتلافية من الطيف الوطني، وتشكيل لجنة قانونية لإعداد المواد الدستورية، واتخاذ إجراءات لضمان شفافية الانتخابات المقبلة ونزاهتها».
ودعا مرسي المحكمة الدستورية إلى أن «تنتهي وبسرعة من قانون الانتخابات ليقره مجلس الشورى ويصدره الرئيس ثم نمضي لإجراء الانتخابات بشفافية، في ظل الشرعية الدستورية القائمة». كما دعا إلى «الدخول في تهدئة لمدة 6 أشهر كي تجرى الانتخابات»، بالإضافة إلى تشكيل «اللجنة العليا للمصالحة والوطنية»، ووضع «ميثاق شرف للإعلام».
وكان مرسي مهّد لهذا الخطاب عبر تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، دعا فيها القوات المسلحة إلى «سحب إنذارها»، رافضاً «أي إملاءات داخلية أو خارجية»، وقد كان لافتاً للنظر أن الرئيس «الإخواني» تجنب الإشارة إلى بيان القيادة العسكرية في خطابه.
وجاء خطاب مرسي ليفاقم التوتر الذي بلغ ذروته في مصر، يوم أمس، مع بدء العدّ العكسي للساعات الثماني والأربعين التي أمهلت خلالها القوات المسلحة القوى السياسية بعامة، و«الإخوان المسلمين» بخاصة، لإنهاء الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد، قبل التدخل في الحياة السياسية، عبر «خريطة طريق»، تم تسريب خطوطها العريضة إلى وسائل الإعلام ووكالات الأنباء عبر «مصادر عسكرية، وعنوانها العريض مرحلة انتقالية لما بعد رحيل محمد مرسي.
وبدا الرئيس محمد مرسي مصراً على تتبع الخطوات الأخيرة لسلفه، في الأداء والإيقاع، إذ ظهر في خطاب، وكأنه متشوق لتكرار «موقعة الجمل»، في ظل الاحتقان المتصاعد في الشارع المصري، والذي ترجم يوم أمس بسقوط ضحايا جدد في اشتباكات بين معارضيه وبين أنصاره في أماكن عدة في محافظات مصر، وخصوصاً أمام جامعة القاهرة، حيث يعتصم مؤيدوه، حيث أبلغ عن سقوط ستة قتلى وعشرات الجرحى.
وفي أول رد فعل على خطاب مرسي، أطلق المتظاهرون في ميدان التحرير هتافات تطالب الرئيس المصري بالرحيل، ومن بينها «إرحل.. إرحل» و«مش عايزينك».
واتهمت حركة «تمرّد» مرسي بـ«تهديد شعبه». وقال القيادي في الحركة محمد عبد العزيز في تصريح لقناة «القاهرة والناس» المصرية الخاصة إن «هذا رئيس يهدد شعبه» مضيفاً «نحن نعتبر انه لم يعد رئيساً» لمصر.
وأضاف عبد العزيز «إن المهلة التي حددها الجيش لمرسي تنتهي اليوم، عند الساعة الرابعة عصراً، ونحن ندعو الشعب إلى الاحتشاد في الميادين اعتباراً من هذا الوقت».
يأتي ذلك، في وقت انشغلت وسائل الإعلام المصرية ـ من بينها جريدة «الأهرام» ـ بالسيناريو المفترض أن يعتمده الجيش المصري لمرحلة ما بعد مرسي.
وتسألت «الأهرام» في عنوانها الرئيس «استقالة أم إقالة». وأكدت أن «الخريطة» تنطلق فور تنحي مرسي، وتبدأ خطواتها باختيار رئيس للحكومة تتفق عليه القوى السياسية كافة، ويحظى باحترام وتقدير من الشارع والشباب. وتتضمن الخطة منح رئيس الحكومة صلاحيات رئيس الجمهورية كاملة، ليسارع في تشكيل مجلس وزراء مصغر لإدارة شؤون البلاد لفترة انتقالية، على أن تقدّم القوات المسلحة كل الدعم له، من دون أي تدخل في عمله.

 

مصر تُسقط الطغيان بالشعار الديني
صحيفة السفير اللبنانية
طلال سلمان
إننا نعيش أحلامنا. إننا نرى أمانينا تقترب من التحقق حتى لنكاد نأخذها بأيدينا. إن شعب مصر يصنع تاريخه، تاريخ الأمة العربية جميعاً الآن، من أدنى المشرق إلى أقصى المغرب. إنه يُسقط الزور وتزوير الإرادة والخروج على إرادة الأمة. إنه يُسقط أعتى تنظيمات الإسلام السياسي (الإخوان)، الذي حاول توظيف الدين ضد حقوق الشعب ومطامحه إلى الحرية والكرامة والعدل.
إن شعب مصر العظيم يكتب الغد، غد مصر وغد الأمة العربية جميعاً، وما جاورها وماثل أوضاع شعوبها المقهورة من حولها. إنه يُسقط التخلف والغربة عن العصر. إنه يعيد الاعتبار إلى الدين، خصوصاً أنه يكاد يكون الأعمق تديناً في العالم، فيخرجه من البازار السياسي. إنه يواجه المتاجرين بالشعار الديني والذين استخدموه سلَّماً للوصول إلى السلطة وما زالوا يستخدمونه للتغطية على التبعية للإرادة الأميركية وعلى الخضوع للإذلال الإسرائيلي. إنه يعيد الاعتبار إلى الدين الذي يحض على حفظ الكرامة والتحرر ومقاومة الطغيان.
إن شعب مصر يستعيد روحه ودوره، ويعيد الروح إلى الأمة العربية جميعاً. لقد نزل هذا الشعب بالملايين، ملايين الملايين، مسجلاً سابقة في التاريخ الإنساني جميعاً. لقد أكد حضوره. لقد أكد وعيه. لقد أكد حقه بنظام حكم يليق بكرامته. لقد رفض الحكم المتستر بالشعار الديني وهو يهينه في كرامته ودينه، عبر جهره بتبعيته للإرادة الأميركية، ووقوفه متسولاً على بابها مستجدياً قروض البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
إن هذا الشعب يعرف بالتجربة الغنية أن هذا الارتهان للخارج يُسقط حقه في الحرية وينسف حقه بالتقدم، وهو المؤهل لبناء بلاده بكفاءاته وقدراته وجدارته بصنع مستقبله الأفضل بعقول أبنائه وزنودهم واستعدادهم غير المحدود للتعب والعرق والجهاد في البناء والإعمار... وها هو ماضيهم القريب يشهد أنهم استطاعوا أن يستغنوا عن المعونات والمساعدات التي تسترهن قرار البلاد وسيادتها، فيبنوا أهم قلعة صناعية في المنطقة ويفيدوا من النيل عبر بناء السد العالي في ري الأرض القاحلة وإنتاج الطاقة.
إنه يثأر لخداعه بالشعار الإسلامي واللباس الإسلامي وادعاء الحكم بأحكام الشريعة. وها هو ثأره ممّن مكروا وخدعوه مبهر العالم: الملايين في الميادين، في القاهرة التي تكاد تكون بلا نهاية لامتدادها، في الإسكندرية والوجه البحري عموماً وفي الوجه القبلي من الجيزة وحتى الصعيد البراني منه والجواني.
لقد خدعه المجلس العسكري الأعلى، مرة، ربما لشدة تلهفه إلى التغيير، إلى إسقاط حكم الطغيان، ممثلاً بحسني مبارك وبطانته من أهل السوء. وخدعه ذلك المجلس مرة أخرى حين تواطأ مع «الإخوان المسلمين» على إرادة التغيير... وبعدها تولى «الإخوان» متابعة المخادعة وهم فيها أدهى وعليها أقدر: سرقوا منه انتفاضته الأولى المجيدة، وصادروا الميدان. سرقوا أصواته. زوّروا إرادته في الانتخابات، وحين افتضح تزويرهم كان قد فات الأوان. وسرقوا الرئاسة بالمخادعة وبانقسام الميدان نتيجة افتقاده القيادة الموحدة والمؤهلة بالبرنامج المعبر عن مطامح الشعب المقهور.
ها هو شعب مصر يستعيد ميدانه، وينزل إليه في كل مصر، أعظم عدداً، حتى أنه حقق سابقة دولية، وأكثر تنظيماً. وها هو جيشه يتقدم لحماية أهداف الثورة، متخلياً عن مهمته التقليدية في حماية النظام وإن طغى، وحماية الخطأ ولو صار خطيئة.
.. وكان يكفي الشعب ألا يستخدم جيشه وسائر القوى الأمنية ضده. أن يستعيد أبناءه البررة في القوات المسلحة فلا ينصروا عليه الظالم والمزوّر... ولقد تجاوز الجيش والقوى الأمنية تقديرات الشعب فإذا بشبابه في مختلف المؤسسات العسكرية والأمنية ينحازون إليه ويعززون موقفه ويؤكدون مطالبه الشرعية والمشروعة. وكان هذا التبدّل في موقف الجيش حاسماً... وهكذا نفتح الباب أمام إسقاط الطغيان بالشعار الديني بعد إسقاط الطغيان بالفساد، وإسقاط الانحياز الأعمى للقوات المسلحة إلى «الشرعية» المزعومة للرئيس المنتخب بعدما أسقطته الملايين التي هدرت بالشعار ذي الرنين المنشي: «ارحل».
ها هي مصر تستعيد روحها. وسيرحل طاغيتها الجديد المصفّح بالشعار الديني. سيرحل مهما كان الدعم الدولي. ولن تنفعه «النصائح» الأميركية التي تحاول استنقاذ النظام الإخواني ولو ببعض التنازلات التي قد تتخذ شكل الاستعداد لإصلاح بعض وجوه الطغيان والتفرّد والفساد.
إنه السقوط التاريخي للإخوان المسلمين وأهليتهم لأن يتولوا الحكم في أي بلد. إنه السقوط المدوي للشعار الديني كطريق إلى السلطة. إنه استنقاذ للإسلام من رافعي شعاره من أجل التسلّط والهيمنة.
إن شعب مصر الذي يشهد العالم كله على عمق إيمانه يعيد الاعتبار إلى الدين الحنيف بتبرئته من متسلقي شعاراته ومنتحلي صفة القيمين على مبادئه السامية.
إن شعب مصر يستعيد قراره. إن شعب مصر يقدم إنجازاً عظيماً للأمة جميعاً وهو كشف المتاجرين بالشعار الديني من أجل الوصول إلى السلطة والتفرد بها وكأنهم «يحققون كلمة الله»، في حين أن تجربتهم البائسة أنهم كانوا يسخّرون الشعار الديني لتضليل المؤمنين وللهيمنة على قرارهم وعلى «وراثة» نظام الطغيان السابق في الحرص على الخضوع لمقتضيات السياسة الأميركية في الهيمنة على المنطقة جميعاً، وأخطرها حماية أمن العدو الإسرائيلي وتمكينه على حساب كرامة شعب مصر وحقه في ثروته الوطنية وعلى حساب أمنها الوطني ودور مصر القيادي الذي لا بديل منه في أمته.
لقد حقق شعب مصر بثورته المجيدة الذي نزلت ملايينه إلى ميادين مدنه وقراه إنجازاً تاريخياً غير مسبوق: لقد فتح باب الغد الأفضل أمام الأمة العربية وسائر الشعوب المقهورة بالتركة الثقيلة للطغيان والاحتلال الأجنبي.
«صباح الخير على الورد اللي فتح في جناين مصر..».
 
حكم «الإخوان» إلى سقوط ومصر تعود بعروبتها..
صحيفة السفير 
طلال سلمان 
سقط «حكم الإخوان» كمشروع للتغيير في الوطن العربي، بغض النظر عن النتائج المباشرة للحراك الشعبي الذي ملأ الميادين والساحات في مختلف أرجاء مصر بشعار «إرحل» الموجه إلى الرئيس محمد مرسي وحزبه وحلفائه من «الإسلاميين»، إخواناً وسلفيين وبين بين.
بالمعنى العملي فإن هذا الحكم قد سقط منذ الأسبوع الأول لتسلم الرئيس الإخواني سدة السلطة، وحين افترض أن فوزه، ولو بنسبة تناهز النصف من أصوات الناخبين، يعني انه «الممثل الشرعي والوحيد» لعموم المصريين، بمن فيهم الذين منحوا أصواتهم لغيره أو امتنعوا عن الإدلاء بها اعتراضاً على محاصرتهم بخيار واحد بين أمرين كلاهما بائس.
ومع أن تنظيم «الإخوان» في تونس قد تصرف بطريقة أعقل حين حاول أن يغطي تقدمه نحو السلطة بصيغة جبهوية، متحاشياً أن يبدو وكأنه «الممثل الشرعي والوحيد» لشعب تونس، فقد تعرض لهزة خطيرة مع اغتيال المناضل المعارض شكري بلعيد، فاستقال رئيس الحكومة الإخواني مطالباً بتوسيع «الائتلاف الحاكم» والتخفيف من الصبغة الإخوانية في السلطة. على أن الأزمة ما تزال مفتوحة، وهي تتجاوز مواقع السلطة إلى الاقتصاد والاجتماع خصوصاً أن المجتمع التونسي قد ارتضى «العلمانية» منهجاً، وهو يعيشها منذ أكثر من نصف قرن من دون أي انتقاص في إيمانه بالإسلام ديناً.
أما ليبيا، التي يكاد شعبها يختنق بالفوضى الدموية التي ترافق الصراع على السلطة بين جماعات مستجدة على العمل السياسي، بينها «إسلاميون» و«علمانيون» لا يعرفهم أحد، وكانوا يعيشون في الغرب، وقد استدعاهم الشعب إلى الحكم من «منافي» بعيدة، فإنها تبدو مهددة بالتمزق متجاوزاً صيغة الحكم الاتحادي التي كان يعتمدها النظام الملكي (3 ولايات، الشرق بعاصمته بنغازي، والغرب بعاصمته طرابلس، والجنوب بعاصمته سبها) فضلاً عن الدولة المركزية لمعمر القذافي بعاصمتها المستحدثة سرت.
أما سوريا، التي تعيش حالة قريبة من الحرب الأهلية، فإن تاريخ الإسلام السياسي، ممثلاً بحركة «الإخوان المسلمين»، ليس ناصعاً فيها وهو مثقل بالدموية منذ زمن بعيد... أما «الفصائل الإسلامية» الأخرى فتبدو وكأنها قادمة من الجاهلية، في عنفها الدموي وجهلها بمبادئ الدين الحنيف، وشراستها في رفض «العمل السياسي» واعتمادها منطق «كل من ليس معي فهو كافر، وكل كافر إلى القتل».
في كل هذه التجارب كان الشعار المركزي للمعارضات متعددة التوجه: الديموقراطية والحكم المدني، أي غير المصفح بالدين، والتأكيد على هوية البلاد الأصلية.
هي الوطنية، إذن، والوطنية هي العروبة.
لقد شملت الاعتراضات على تفرد «الإخوان» بالسلطة، فضلاً عن الرفض المطلق لديكتاتورية حكم الحزب الواحد، ورفض الطروحات التي تستغل الشعار الديني «لتكفير» المعارضين، أي الأكثرية الساحقة من المصريين (والتونسيين والليبيين والسوريين الخ.) خضوع هذا الحكم للهيمنة الأميركية، وتهافته أمام الاحتلال الإسرائيلي، وتخليه عن قضية الأمة، أي فلسطين... وبالاستطراد «حماسته» لأشتات المعارضات السورية، لا سيما ذات الشعار الإسلامي التي ثبت أن بعضها يقارب «القاعدة» بل قد يتفوق عليها في دمويته، والأخطر في إنكاره للهوية الوطنية للشعب السوري، أي لعروبته... وهي هي الهوية الجامعة للعرب جميعاً، المسلمين بأكثريتهم الساحقة، ومعهم إخوتهم في الوطن من الأقباط وسائر المسيحيين، وكل الذين يؤمنون برسالات سماوية أخرى.
من هنا فلم تكن عودة «الخطاب الناصري» إلى الحياة السياسية، في مصر خصوصاً، مجرد مصادفة أو تعبير عن الحماسة، أو للرد على المنطق الإخواني المعادي للصح في ذلك الخطاب، أي التعبير عن روح الأمة وعن المقاصد التي تنشد الشعوب العربية إنجازها، في مختلف أقطارها، وهي التخلص من الهيمنة الأجنبية، ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وإعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس سليمة تحفظ كرامة الشعوب العربية من إذلال مؤسسات التمويل الأجنبي (بقرارها الأميركي).
والحقيقة التي تؤكدها الوقائع الثابتة، سياسياً وميدانياً، أن «العدو الأصلي» لهذه الحرب الشرسة التي تقودها التنظيمات ذات الشعار الإسلامي هو: العروبة، باعتبارها الهوية الجامعة للشعوب العربية ومطامحها إلى التحرر والتقدم والتوحد.
يعرف اللبنانيون هذه الحقيقة جيداً، ولطالما دفعوا ثمن الخطأ في تقدير قياداتهم السياسية. فعندما تتراجع «العروبة» كهوية وكقاعدة فكرية لسياسات الأنظمة عموماً، والنظام القائم في سوريا خصوصاً، وفي مصر على وجه التأكيد، يسود مناخ الحرب الأهلية في الوطن الصغير والجميل، إذ يجد أهله من يدفعهم بالخوف أو بالشعور بفائض القوة نتيجة التحريض الأجنبي، إلى الانقسام الطوائفي، ويخرجون من صيغة التوافق الوطني إلى مجاهل الاقتتال على السلطة في نظام أقيم على قاعدة طائفية ولا ضمانة لسلوكه إلا بسيادة مناخ «عروبي» في المحيط. ربما لهذا كانت الضمانة للوحدة الوطنية في لبنان تتعزز في حكم وطني ذي أفق قومي في سوريا أو في يقظة مصر واندفاعها لتحمل مسؤولياتها القومية في مختلف أرجاء الوطن العربي.
المعادلة بسيطة: إذا ما وصل الاتجاه الفئوي ممثلاً بالتطرف تحت الشعار الديني إلى السلطة فمن الطبيعي أن تجمع المخاوف كل المتضررين من هيمنة طرف واحد، بغض النظر عن شعاره... وطالما أن الأكثرية الساحقة من المواطنين، في مختلف أرجاء الوطن العربي، وهي مسلمة بطبيعة الحال ولكنها لا تقبل التطرف ولا هي ترتضي بالفئوية، فمن المؤكد أن الحكم بالشعار الديني سيواجه مأزقاً حقيقياً: هو مرفوض شعبياً ولن يقبل من جانبه بالديموقراطية لأنها تمثل أسرع طريق لسقوطه.
كل ذلك سوف يزين له انه يستطيع أن يحكم دولة بحجم مصر وبتاريخ شعبها النضالي ووعيه، وفي زمن سقوط أنظمة الحزب الواحد والحاكم الفرد.. وهذا معناه انه يعيش خارج حقائق التاريخ، وانه سيلجأ إلى القمع، وهو أقصر الطرق إلى السقوط، كائنة ما كانت الكلفة.
على أن ثمة معضلة معقدة تواجه معارضي أنظمة الحزب الواحد أو تلك الأنظمة التي تموه حزبها الحاكم بتجميع بعض الشخصيات أو التنظيمات الصغرى والتي باتت خارج دائرة التأثير في «جبهة وطنية» لكي يمكنها الادّعاء أن «الحكم جبهوي»، وليس تسلطاً من حزب واحد لم يصل إلى السلطة في انتخابات طبيعية وفي ظل مناخ ديموقراطي.
تتمثل المعضلة في أن هذه المعارضة، بل المعارضات، غير موحدة في برنامجها وفي خطط عملها، لا هي تتلاقى بتنظيماتها السياسية أو الشبابية أو الجمعيات والهيئات من خلف قيادة موحدة، ولا هي أنجزت برنامجها المشترك الذي يتوافق عليه الجميع كخطة عمل هدفها إسقاط سلطة الهيمنة بالشعار الإسلامي من أجل إقامة حكم وطني تحرري جبهوي في تنظيمه، ديموقراطي في ممارساته الداخلية كإعلان نيات عن نهجه في الحكم، إذا ما نجح في استقطاب الأكثرية الشعبية الحاسمة.
لا تكفي الشعارات مستدرة الحماسة. لا يكفي القول «لا للطائفية» «لا لهيمنة الرأي الواحد أو التنظيم الواحد أو القائد الواحد». لا يكفي أن يكون الجميع ضد الحكم بالشعار الديني. لا يكفي أن يعلن الجميع رفضهم لدكتاتورية العسكر وإيمانهم بالديموقراطية. بل لا بد من قيادة مؤهلة وقادرة تجمع الأكفاء والأنصع تاريخاً والأكثر استعداداً للتضحية، على قاعدة برنامج عمل وطني تحرري يوجه إلى المصريين بطبيعة الحال، ولكن توجهاته تمس وجدان سائر العرب في مختلف أقطارهم مشرقاً ومغرباً. فلا يقبل من مصر أن تكتفي بذاتها، بل أن انعزالها سيجهض ثورتها.
ولم تكن مصر في الخمسينيات وحين سلم العرب جميعاً بقيادتها أعظم غنى منها الآن، أو أقوى عسكرياً في ظل قوات الاحتلال البريطاني. لكن إرادة التحرير أوصلت زخمها إلى مختلف أرجاء الوطن العربي التي كانت تفتقد القيادة المؤهلة، كما هي حالها الآن، فاستجابت إلى النداء، وتحركت دعماً لمصر وثورتها.
وكل العرب ينظرون الآن إلى مصر وينتظرونها.

 


اتحاد التلفزيونات الإسلامية يحطّ في بيروت
زكية الديراني
في ظلّ المنافسة التي تعيشها وسائل الإعلام العربية لتغطية الأخبار وآخر التطوّرات الاقليمية والعالمية، ولد مشروع «اتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية» قبل نحو ستّ سنوات (حزيران/ يونيو 2007)، فافتتح مكاتب له في طهران ولندن. وأوّل من أمس، أُعلن عن افتتاح مكتب له في منطقة جسر المطار (بيروت).
يضمّ «اتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية» أكثر من 210 أعضاء من 35 بلداً من القارات الخمس. في حقيبة ذلك المشروع نحو 60 قناة تلفزيونية و70 إذاعة و35 موقعاً الكترونياً، إضافة إلى مؤسسة إنتاجية وموقع للتبادل الإخباري المصوّر. تحاول تلك الوسائل أن تأخذ مكاناً لها في هذه الفترة الحساسة التي تشهدها المنطقة العربية، فترصد الأحداث وتعالجها بطريقتها الخاصة. يرفع الاتحاد عناوين عريضة له، فهو يسعى إلى «إيجاد القواسم المشتركة بين وسائل الإعلام المختلفة التي تلتزم خط المقاومة والممانعة وخط الوحدة الاسلامية». يلفت رئيس المجلس الأعلى لـ «اتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية» المدير العام لقناة «المنار» النائب السابق عبد الله قصير في حديث لـ «الأخبار» إلى أنّ مكتب الاتحاد في لبنان موجود منذ ثلاث سنوات، وأقام أنشطة عديدة وعقد أكثر من ندوة إعلامية. وهذا الافتتاح الثاني يأتي في مناسبة مرور ستّ سنوات على ولادة المشروع الإعلامي. يرى قصير أنّ مكتب «اتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية» في لبنان، سيكون منصّة تنسيق ومتابعة بين مختلف المكاتب، كاشفاً أن الاتحاد يسعى منذ انطلاقته إلى افتتاح وكالة أنباء مصوّرة إسلامية «ستكون فريدة من نوعها».
وعن الأسباب التي أدّت إلى عدم تعزيز اسم الاتحاد في بيروت، يضحك قصير قائلاً: «ربما يعود السبب إلى بعض التقصير، لكن في الأيام المقبلة سنقرأ اسم الاتحاد كثيراً». ويكشف النائب السابق أنّ المشروع يعمل ضمن الأسس الإعلامية العريضة، وسيحمل لواء الموضوعية، فهو ليس منظمّة تلزم أعضاءها بمنهج محدّد في التحرير وتغطية الأخبار، بل ما يجمع بين أعضائه هو قواسم مشتركة تهدف إلى التصويب باتجاه القضايا التي تهمّ العالم الإسلامي. ويهتمّ الاتحاد بغالبية الأخبار التي تجري في عالمنا العربي، وقد عمل خلال السنوات الماضية على إكمال تأسيس مجموعة من المؤسسات الاعلامية المهنية، كمركز التدريب الإعلامي في بيروت، ومؤسسة «الهداية» التي تملك مراكز في أكثر من سبع دول عربية واسلامية، وتتركز أنشطتها في المجالات التقنية والهندسية وتقنيات البثّ عبر الأقمار، إضافة إلى مركز للرصد الاعلامي، وموقع إنترنت للتبادل الإخباري المصوّر والأخبار، إضافة إلى ذلك، فقد أنشأ الاتحاد صندوقاً مموّلاً من أعضائه بحوالى مليون دولار لدعم الانتاجات الاعلامية ومساعدة المؤسسات وتمكينها من القيام بالعمل الإنتاجي الإعلامي

 

سيناريو حافة الهــاوية
عبد الرحمن يوسف
صحيفة الأخبار اللبنانية
بعد بيان القوات المسلحة الحازم وامهاله الرئيس محمد مرسي 48 ساعة للتجاوب مع مطالب المحتجين، ورفض مؤسسة الرئاسة له، وإعلانها بأنه جاء دون الرجوع اليها، وكذلك ردّ التحالف الإسلامي الذي أعلن رفضه الشديد للبيان مطالباً الالتزام بالشرعية، وداعياً الى الاحتشاد في الميادين بمصر تأييداً مرسي، تصاعد الحديث عن اعتماد الإسلاميين لسيناريو «حافة الهاوية»، خصوصاً في ظل الحديث عن «وجود الرئيس محمد مرسي رهن الإقامة الجبرية في استراحة الحرس الجمهوري بالقاهرة»، من دون الإعلان عن ذلك بشكل رسمي، تجنباً لغضب الإسلاميين، فضلاً عن الحديث المتواتر عن تخلي الولايات المتحدة عن دعم مرسي، ورغبة الجيش في رحيل الرئيس.
سيناريو «حافة الحاوية» يعتمد في جوهره على تصعيد التوتر في المشهد العام، ليبدو وكأن الانفجار بات وشيكاً، وذلك بغرض تحقيق مجموعة من الأهداف الرئيسية، أولها الإظهار للرأي العام أن هناك توازناً في القوى بين كل الأطراف بما يؤدي إلى خفض سقف مطالب المعارضة وكسب أوراق ضغط لدى الأطراف المؤيدة.
أما الهدف الثاني فهو إرباك موقف الجيش وإيصال رسالة له مفادها أن إبعاد مرسي بالقوة على طريقة إبعاد الرئيس المخلوع حسني مبارك، لن يجدي وسيكون ثمنه باهظاً، وبهذا يضطر الجيش الى اللجوء للضغط على المعارضة، بحيث يكون الأمر مقتصراً على تغييرات في الحكومة أو إقالتها، مع السعي لانتخابات مبكرة بعد عيد الفطر مباشرة أي بعد شهر ونصف شهر أو شهرين، والتزام مرسي بتعهده بتشكيل لجنة لتغيير مواد الدستور المختلف عليها، وهي مطالب المعارضة الرئيسية قبل تصعيدها الأمر بطلب انتخابات رئاسية مبكرة.
الهدف الثالث يتمثل في وضع المعارضين في مأزق أخلاقي، عبر تسيير التظاهرات في أماكن بعيدة عن التجمعات الرئيسية، فإن تمت مهاجمتها، يكون المؤيدون ضحايا عنف المعارضين لهم، ومن ثم يظهرون بأنّهم غير جادين وغير مؤهلين لأي استحقاق ديموقراطي، وهكذا يكسب وقتاً أكبر في معركة النفس الطويل حتى دخول رمضان في 10 تموز الجاري، الأمر سيكون كفيلاً، برأي الجماعة، في كسر حدة المشهد.
الهدف الرابع، وهو أسوأ الاحتمالات بالنسبة للجماعة، هو ضمان خروج آمن لمرسي وللإسلاميين في حال تأزم الموقف، بشكل يضمن عدم التنكيل بهم، مع إشراكهم كطرف في معادلة الحكم أو المرحلة الانتقالية.
ويبدو بوضوح خوف الإخوان والإسلاميين من تكرار سيناريو عام 54 معهم، حين انقلب جمال عبد الناصر على الرئيس محمد نجيب وقام بالتنكيل بالإخوان. وهو سيناريو يخيف القابضين على أمر الجماعة أكثر من غيرهم، لأنّ كثيرا منهم عايشوه، فضلاً عن تشابه وجود دور قوي للجيش في اتخاذ قرارات البلاد، لا سيما أيضاً مع رغبة فلول الحزب الوطني وأمن الدولة في التنكيل بالإخوان والانتقام منهم.
غير أن صوتاً آخر داخل الصف الإسلامي، يتحدث عن أهمية تقديم تنازلات كافية ومؤثرة لامتصاص جزء من غضب الشارع، بهدف الإبقاء على ما تبقى من مكتسبات تاريخية واجتماعية للإسلاميين والجماعة بصفة خاصة.


قناة بريطانية تبث أذان الفجر طيلة رمضان   
الجزيرة نت
أعلنت محطة تلفزيونية بريطانية أنها ستبث أذان الفجر بصورة حية طيلة شهر رمضان الكريم لإعطاء صوت للأقلية المسلمة البالغ عددها 2.8 مليون، وهي الخطوة التي رحب بها مجلس مسلمي بريطانيا.
وأكدت القناة الرابعة -وهي قناة عامة أنشئت لجذب اهتمام جمهور الأقليات- أمس أنها ستكون أول قناة رئيسية في بريطانيا تبث الآذان "في الثالثة من صباح كل يوم" ابتداء من 9 يوليو/تموز وعلى مدى شهر رمضان.
وقال مدير البرامج الواقعية في القناة رالف لي إنه يأمل بإعطاء صوت لجمهور الأقلية المسلمة ممن يلتزمون بالقانون، مشيرا إلى أن أذان الصلاة يدفع المسلمين إلى لحظات هدوء للعبادة، وتمنى أن يلفت أيضا انتباه المشاهدين الآخرين إلى ملاحظة هذا الحدث.
ونقلت صحيفة (ديلي ميل) عن رالف لي قوله أيضا إن التغطية التلفزيونية عن الإسلام كانت مرتبطة دائما بالإرهاب أو التطرف، وحتى حين يظهر المسلمون المعتدلون فيها، يقتصر ظهورهم فقط على تقديم وجهات نظر معارضة لهاتين المسألتين.
وأشاد مجلس مسلمي بريطانيا الذي يمثل حوالي ثلاثة ملايين مسلم بالخطوة التي أعلنتها القناة الرابعة، وقال إن رمضان شهر فريد لدى المسلمين وتقديره على قناة رئيسية ليس فقط شئيا رمزيا يعبر عن الانتماء والتضامن. وأعرب عن أمله بأن تساعد الخطوة في رسم صورة أكثر واقعية للإسلام والمسلمين.
ونشر مئات الأشخاص تغريدات على موقع تويتر للتواصل الاجتماعي للتعبير عن آرائهم، وأيد بعضهم هذه الخطوة، لكن آخرين هاجموا ما عدوه "أسلمة المملكة المتحدة".
وتوقع مدير البرامج الواقعية أن تتعرض القناة الرابعة للانتقاد بسبب بثها لأذان المسلمين. مع العلم أن نفس القناة كانت قد تعرّضت لانتقادات في وقت سابق من هذا العام لإجرائها مقابلة مع أنجم تشودري، الزعيم السابق لجماعة "المهاجرون" السلفية، بحجة منحه منصة للتعبير عما عدوها وجهات نظره المتطرفة.
وكان المسلمون تعرضوا لأعمال انتقامية منذ قتل رجلان الجندي البريطاني لي ريجبي (25 عاما) خارج ثكنة وولويتش في لندن في مايو/أيار الماضي، حيث وقعت سلسلة مظاهرات وحوادث استهدفت المسلمين


مصر: أدمن العسكري يصدر بيانا بعنوان "الساعات الأخيرة" ويهدد باستخدام القوة
مفكرة الإسلام
 عقب خطاب الرئيس محمد مرسي أمس، الذي تمسك فيه بالشرعية, أصدر أدمن المجلس الأعلى للقوات المسلحة بيانًا في وقت مبكر اليوم الأربعاء، أعلن فيه أن القوات المسلحة مستعدة أن تفتدي مصر وشعبها بدمائها ضد كل إرهابي أو متطرف, على حد قوله.
وفي بيانه المنشور على صفحة أدمن المجلس العسكري على "فيس بوك" بعنوان "الساعات الأخيرة" نقلًا عن وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي "ذكر القائد العام للقوات المسلحة أنه أشرف لنا أن نموت من أن يروع أو يهدد الشعب المصري", بحسب قوله.
وتابع البيان المقتضب :"نقسم بالله أن نفتدي مصر وشعبها بدمائنا ضد كل إرهابي أو متطرف أو جاهل" .
وجاء هذا التصريح بعد ساعات من الهجوم على تظاهرات مؤيدة للرئيس محمد مرسي’ أسفرت عن مقتل 22 من مؤيديه, فضلا عن إصابة 200 آخرين.
كما جاء بيان الجيش المصري عقب ساعات من خطاب الرئيس المنتخب محمد مرسي الذي طالب فيه الجيش بسحب إنذاره ومؤكدًا تمسكه بالشرعية
ومن المقرر أن تنتهي بعد ظهر اليوم الأربعاء مهلة الـ48 ساعة التي وضعها الجيش لكافة القوى السياسية لحل الأزمة الراهنة في مصر, والتي تضمن وضع خارطة طريق للمستقبل تنفذ تحت إشرافه.
وتتضمن الخريطة بحسب ماأفادت مصادر عسكرية " تعليق العمل بالدستور وحل البرلمان" .
وقالت المصادر لرويترز إن المجلس الأعلى للقوات المسلحة ما زال يدرس التفاصيل والخطة ، مع إمكانية إدخال تغييرات بناءً على التطورات السياسية والمشاورات.

 


صوفية الحجاز... وجود حذر مع السلفية!
خلاصة من بحث محمود عبد الغني الصباغ 'الصوفية ومؤثراتها ومجالسها في الحجاز'، ضمن الكتاب 56 (أغسطس 2011) 'التصوف في الخليج العربي' الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.
ميدل ايست أونلاين
ازدهرت الزوايا الصوفية في الحجاز خلال العصر العثماني، لتحسن الأوضاع المعيشية والاقتصاديّة عمَّا كانت عليه في العصور السابقة، حتى لقي بناؤها اشتراكاً من طوائف المجتمع المحلي ومن خارجه كافة، فكان هناك ما أنشأه كبار شيوخ الطُّرق، والعلماء، وأعيان الأهالي، والتجّار، وأمراء المقاطعات الإسلامية والمحسنون وفاعلو الخير – كما ترسخت متانتها الوقفية مع صدور قوانين التنظيمات العثمانية للأراضي والأوقاف منتصف القرن التاسع عشر.
كان العهد السعودي في الحجاز، بمثابة عهد إبدال قيمي جذري، نتيجة اتباع الدولة السعودية المنهج السلفي ذي التعاليم الإصلاحية الصارمة، والمتصادمة في جوهرها مع المظاهر الصوفية والطُرقية. يقول الشيخ محمد العربي التبّاني: "وفي سنة دخول السعوديين لمكة المكرمة 1343هـ الموافق 1924، رأيت عند الأشراف وأنا ذاهب الى المعلا رجلاً من أهل مكة خارجاً من المسعى من زقاق المليبارية الضيّق قائلا: اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد، وصادف نزوله جماعة من الغُطْغُط الى الحرم فالتفت اليه رئيسهم حنِقاُ مشيراً اليه بعصاه قائلا : "اذكرون ولا تعبدون" أي "اذكرونه ولا تعبدونه"، فبُهت الرجل خائفا منهم". كان هناك شريف فاسي من أهل مكة يجلس عند مقام ابراهيم وكان يجلس إلى جانبه سعود العرافة من أعيان الإخوان، وكان إذا جاء ووجده قبّله وصافحه ببشاشة واعتناء، وكان له وِرد من الصلاة على النبي يقرؤه كل يوم، فلما تحقق أنه يصلي على النبي، أنكر عليه وقال لم لا تقرأ القرآن؟ فقال: إني أقرؤه في وقت غير هذا، فقال: ما أراك إلا تصلي على النبي، ومن يومها صار يقابله بفتور.
وقد فسح الاخوان للكُتبيين في السنين الأولى من دخولهم الحجاز بجلب كتاب "دلائل الخيرات" غير المُهمّش، فيما منعوا النسخة التي تحتوي على الهوامش. ومن ثم منعوا جلبه مهمّشاً أو غير مهمّش. وقد جلب منه الكُتبي المكّي الشهير عبدالصمد فدا أربعمائة نسخة فألزموه بإرجاعها إلى مصر أو يتلفونها، فتركها لهم. وقد نشرت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إعلانا بمكة حذرت فيه الناس من كتاب "دلائل الخيرات". وفي سنة 1376هـ [1956] نُشر في جريدة "البلاد" السعودية، تحذيراً مُبالَغاً في صياغته حذرتهم فيه من "دلائل الخيرات"، و"أنه أشد ضرراً على الأمة من كتب الزندقة والإلحاد وأن مؤلفه يهودي". وبعد دخول مكة في العهد السعودي، في أكتوبر 1924، جرت مناظرة بين كتلة علماء مكة وكتلة علماء نجد، في الأصول والفروع، أُرغم علماء مكة بعدها على إصدار بيان يُبطلون فيه "البدع" التي تُنافي التوحيدَ.
وفي حدود عام 1928، أمر رئيس هيئة مراقبة القضاء الشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ بحصرالزوايا التي بمكة، ثم دعا مشايخها بعد أن كان قد رتّب لكل زاوية رجلاً من أهل السلف، وقد حاول بعضهم مقاومة ذلك الإحلال، بذريعة تملكهم المباشر للزوايا، التي تلاصق دورهم فعلاً، وأنها ليست أوقافاً عامة. ولكن ذلك لم يُجد نفعاً.
وفي أكتوبر 1926، وصل فضيلة الشيخ عبدالظاهر أبوالسمح الحجاز، فعُيّن إماماً وخطيباً بالمسجد الحرام. وكان به أئمة كثيرون، فألغوا جميعاً، ونُصّب وحده – وكان من أهل السلف. وكان أبو السمح يخطب ارتجالاً حسب الأحوال والظروف، ومضى على ذلك قريباً من عام، ثم جاء الأمر من الملك بالتزام ديوان شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب.
واندلعت أزمة كبرى في المدينة المنورة حين طلب رهطٌ من علماء الحنبلية الكلاسيكية من السيّد أحمد الشريف السنوسي، المُجاهد الليبي الشهير، الذي كان قد انتقل للمكوث بالمدينة المنورة منذ عام 1924 طلبوا منه التبرءَ من أوراد السنوسية، ومن كتابات السيّد محمد المهدي السنوسي، وإعلان التوبة منها. وقد شقّ على أحمد الشريف ذلك، وهوالمجاهد الإسلامي والسياسي العربي الكبير، والمرجع الديني العريض، فأعلن عن رفضه للامتثال للتعاليم الوهابيّة، فما كان من مشائخ الحنبلية إلاّ تكثيف الطلب من الملك عبدالعزيز بإخراجه من المملكة، ولكن الملك عبدالعزيز تباطأَ في الامتثال لرغبتهم، حتى جاء حتف السيّد السنوسي صبيحة يوم الجمعة 10 مارس 1933، وهو بالزاوية السنوسية بالمدينة المنورة، فدُفن ببقيع الغرقد.
أما ذروة الجفوة فقد تصاعدت مع الاقصاء الرسمي الذي تعرض له السيّد محمد علوي مالكي عشية قرار هيئة كبار العلماء الصادر عام 1981، الذي جاء فيه: بنشر المالكي "للضلال والبدع والخرافات والدعوة إلى السوء والشرك والوثنية"، واعتبار الصوفية رديفا للإلحاد.
مجالس الذِكر في مكة العام 2011:
1. مجلس السيّد عباس بن علوي مالكي (الستين) هو أبرز– وأعرق- المجالس المكيّة القائمة والسيّد عباس يُلقّب بـ(مُنشد الحجاز)، وهو أبرز روّاد فن الإنشاد والذكر والتصوف والمديح في الحجاز. يُتلى في مجلسه أوراد من دلائل الخيرات، وفيه الصلاة على النبي، وإنشاد المجّسات على الطريقة المكيّة التقليدية لقصائد المديح للبرعي، والبوصيري، ومحمد أمين كُتبي، وابن الفارض، وعبدالغني النابلسي، والحِبشي، والشاطري، والحميدي، والبزار والدنجلاوي، وسفينة الفلك.
2. مجلس السيّد حسن فدعق (الرصيفة)، وهو من أعرق مجالس الذكر في مكة. يُعقد كل أربعاء للأوراد والأدعية، وهو مجلس مكّي عريق، أقامه الشيخ حسن فدعق منذ عام 1924م ويُسمى بالـ(الروحة)، وكان يُعقد في حارة الباب بمكة المكرمة، ومن مؤسسيه أيضاً السيّد محمد بن عبدالله العيدروس، والشيخ عمراليافعي، والشيخ زيني بويان المقرئ المكّي الشهير، وكان من روّاده أيضاً الشيخ عبدالله دردوم، إبراهيم مجلد، سالم باحشوان، عمر عيديد عبدالكريم فلمبان، عبدالرحيم ملاه وغيرهم. ويديره راهناً ابنا السيد حسن فدعق؛ طه فدعق وعُمر فدعق.. ويعاونهما إخوانهم عثمان وأحمد وعلوي وإبراهيم.
3. مجلس السيد جعفرشيخ جمل الليل (الرصيفة).. ويديره حاليا ابنه اللواء محمد جمل الليل.
4. مجلس حُسني سابق (العُمرة).
5. مجلس عبدالرحمن شلي (الستين).
6. مجلس زيني بويان (الششة).
7. مجلس محمد كلنتن (النوارية).
8. مجلس إبراهيم الصائغ (الستين).
9. مجلس ذاكر خوج (النزهة).
10. مجلس إبراهيم الأسطة (الستين)، ومن أبرز روّاده الشيخ عبدالعزيز عرفة.
11. مجلس عبدالرحمن خوقير (الزاهر)، ترتفع فيه القصائد والمدائح والدانات يحييها المُنشد محمد ملا.
مجالس الذكر في جدة مطلع العام 2011:
1. مجلس الحبيب عبدالقادر السقاف (1913-2010). مفتى حضرموت سابقاً، استقر في جدة بعد مضايقات الاشتراكيين للنشاط الصوفي في سيئون.
2. مجلس السيّد عبدالله فدعق (مجلس الروحة). فقيه شافعي، وداعية إسلامي معروف.لازم شيخه محمد علوي مالكي طيلة ثلاث سنوات وأخذ عنه الأسانيد العالية، كما لازم جده السيّد حسن فدعق، الذي جعله يتصل بمشائخ الحجاز المتقدمين: عيدروس البار، حسين الحِبشي، ومحمد بابصيل، والشيخ عمر حمدان المحرسي، والشيخ عمر باجنيد.
3. مجلس الشيخ عبدالله بن بيّة (حي مشروع الأمير فواز). وزير العدل الموريتاني السابق، رئيس المركز العالمي للتجديد والترشيد، ونائب رئيس الإتحادالعالمي لعلماء المسلمين خلف الشيخ القرضاوي، والمُحاضِر بجامعة الملك عبدالعزيز.
4. مجلس الدكتور عبدالعزيز عرفة. وهو درسه ببيت التركستاني في جدة. ومن أبرز طلابه: صادق السنوسي، وموفق السنوسي، وغالي العطاس (وقد أخذ التحقيق منه)، ومجموعة من الطلاب البُخارية، حيث يعمل عرفة كمسؤول عن أوقاف البخارية في مكة. وللدكتور عرفة نشاط تدريسي موازٍ في جدة بسكن الجامعة لتدريس بعض أساتذة جامعة الملك عبدالعزيز.
5. مجلس الدكتور عمر عبدالله كامل (التحلية). وهو مجلس لتحضير الطلاب.والدكتور كامل مُتخصص في علم المنطق وعلم الرجال، وله إنتاج غزير في علم الكلام والمنطق والفرائض والسلوك. وهو من عائلة تجارية معروفة في الحجاز، يملك نفوذاً وتغلغلاً بين الطبقات التجارية والأُسر الحجازية. يعينه في التدريس الشريف عبدالله فراج الشريف العبدلي، في تخصص أصول الفقه. ولكامل نزعة طُرقيّة مُعلنة في التسلك النقشبندي.
6. مجلس الدكتور هاشم مهدي (حي مشروع الأمير فواز).. وهو القيّم على المجلس العلمي للمهندس عادل محمد فقيه.
7. مجلس عدنان بن علي بن [الحبيب] أحمد مشهور بن طه الحداد . يُدرس فيه الفقه الشافعي يومين في الأسبوع.
8. محمد عبدالرحمن السقاف. الحضرمي مولداً، الحجازي نشأةً. أخذ العلم من الحبيب عبدالقادر السقّاف، والحبيب أحمد مشهور الحداد، وأبوبكر العدني المشهور. له نشاط علمي دولي واسع. يشتهر أكثر بإقامته لعصريات طيلة شهر رمضان.
9. مجلس آل بترجي (صاري). يديره الدكتور فهد الخياط.
10. مجلس الأحدية.وهو مجلس مُتنقّل بشكل دوري بين بيوت محمد عجاج وواصف أحمد فاضل كابلي، وعبدالملك نمنكاني، ويوسف بشناق، وأحمد سمباوة –كان يعقد برئاسة للشيخ المكّي الراحل: عبدالعزيز بن محمد خليل طيبة، وهو مستمر بدونه.
11. مجلس الشيخ عبدالقادر خِردْ. وهو من المجالس الممتدة منذ كان في مكة - أُوقف أخيراً.
12. ثمة دروس فردية أيضاً للشريف أحمد العرضاوي، وللشيخ غسان القين، وهو من أهل القصيم أصلاً، ومن سُكان المدينة المنورة قبل انتقاله إلى جدة ومن تلاميذ الشيخ حسين أيوب.
13. مجموعة من الأهالي والأعيان يقيمون مواسم للذكر والسيرة النبوية والموالد النبوية، من أبرزهم: حامد فايز، أحمد زكي يماني، صالح كامل، زكي مصطفى إدريس، محمد عبده يماني (مجلس البدرية)، بيت الدباغ: مجموعة الطيّب الدباغ، ثم مجموعة عدنان الدباغ، بيت أبوزنادة ماجد طيّب، أجواد الفاسي، أحمد عقاد، الدكتور عادلأبوالعلا، عبدالله باهيثم، عبدالحميد بشناق وعادل بخش– وغيرهم.
مجالس الذِكر في المدينة مطلع العام 2011:
1. الحبيب زين بن ابراهيم بن سميط. فقيه شافعي، مجاور في المدينة المنورة منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود. كان له درس شهير في مسجد قُباء، ثم تعرض لتضييق شديد. توَّسط له في الآونة الأخيرة الشيخ محمد عبده يماني، وكفله لدى السلطات أمين العاصمة المُقدسة السيّد أسامة بن فضل البار.
2. الشيخ خليل ملا خاطر، فقيه شافعي كبير، أصلاً من أهل الشام. وهو عالم سيرة نبوية متخصص في فضائل المدينة المنورة.
3. مجلس الشيخ محمد عوّامة الحلبي، وهو من كبار المُحدثين. لديه مركز خدمة السنة والسيرة النبوية لتحقيق كتب السيرة النبوية، مثل كتاب "إتحاف المهرة"، كما أسس مكتبا لتحقيق التراث الإسلامي، الذي يمولّه رجل الأعمال صالح كامل.
4. الشيخ ابراهيم الإبن. وهو مُحدّث، وعالم فقيه يعتمد المذهب المالكي. تجاوز التسعين عاما وقد انعزل عن المشهد العلمي قبل فترة وجيزة.
5. الشيخ محمد محمد المختار الشنقيطي (من مواليد 1966). من علماء المالكيّة في الحجاز. مُدرّس في الحرم النبوي، وعضو هيئة كبار العلماء في تشكيلته الأخيرة (14-2-2009م). تتلمذ على يد والده، المدرس بدوره بالمسجد النبوي، يعتمد مذهب المالكية في التقرير والتفريع.
6. مجلس أبناء السيّد محمد صالح المحضار المَدَني، وكان والدهم الشيخ محمد صالح المحضار من علماء الحديث، ومن كبار مقيمي الموالد النبويّة بالمدينة المنورة.
7. مجلس بيت الشقرون .. وهو التقاء الطريقتين الشاذليّة المَدنية، والرفاعية في المدينة المنورة.
8. الشيخ المُحدث مالك بن العربي بن أحمد الشريف السنوسي.. يُعتبر مسندا في الحديث ويستقبل في داره طلاب الرواية بشكل دوري.
9. الشيخ عدنان السقاف. مُحدث ولديه إسناد عالي. وهو من تلاميذ [الحبيب] أبوبكر العدني المشهور.
10. حضرات عبدالعزيز بن عبدالرحمن كعكي. وهي امتداد لموالد والده عبدالرحمن كعكي الشهيرة منذ كانت تقام في فناء حوش المنّاع.
11. حضرات تقام في مجلس الشيخ عبدالعزيز المِكوار.
12. حضرات تقام في منزل الشيخ عبدالوهاب بن إبراهيم فقيه، ببستان آل الفقيه.
13. حضرات بيت الميمني. يقيمها حالياً فريد بن عبدالستار الميمني، وأخوه يوسف، ومقرها بباب العوالي.
14. حضرات بيت أحمد غلام.
15. حضرات رضوان شيخ. امتداد لمجلس جده أحد علماء المدينة. مقرّها بالحرّة الشرقية.
16. مجلس أبناء محمود كظلّي. وهم يتبعون الطريقة الشاذلية.
17. مجلس البدريّة، ويشرف عليه أحمد الدبابش، ومقرّه عند بير جروان. وهو فرع لمجلس البدريّة الذي كان قائماً في مكة حتى عهد قريب، وكان يشرف عليه في نسخته المكيّة، حسن عايش القرشي، وحامد فتّة.
18. ومن رموز الإنشاد الصوفي بالمدينة المنورة: عبدالله فرج الزامل (وهو رجل مُعمر) يحظى بشعبية جارفة، كانت والدته: سعيّدة أُم خلف، سيدة تحظى بـ"كرامات" - كما في الوعي الشعبي.

الـمنهج المقارن وآفاق بناء رؤية جديدة للآخر دلالات الاختلاف في المشترك
مـحمّدإدريس
مؤمنون بلا حدود
شهدت المباحث الدينية في العقد الثاني من القرن العشرين جملة من التحوّلات التي طالت أسس البحث في العلاقات القائمة بين الأديان؛ ففي تلك الفترة أَلّف إميل دوركايم(1858-1917)Durkheim Emile"الأشكال الأولية للحياة الدينية: "نظام الطوطم بأستراليا"، وفي هذا الكتاب بيّن أنّه" لا توجد أديان خاطئة، فجميعها صحيح".[1] وقد شكّل هذا التصوّر القاعدة الرئيسة التي قامت عليها الدراسات المعاصرة التي لم تعد تفاضل بين الأديان، وهو تصوّر ما انفكت مختلف المقاربات (علم الاجتماع الديني،الأنثربولوجيا الدينيّة،علم الأديان المقارن،...)[2]تؤكّده، وقد أدّى تعدّد المقاربات وانفتاح العلوم الإنسانية على حقول معرفية متنوّعة إلى وضع أسس جديدة للبحث في النص الديني. فالدين رؤية للعالم ولمنزلة الإنسان فيه، ولما يقوم بينه وبين عالم الغيب وكائناته من علاقات، وهي علاقات يمثّل الآخر حجر الأسس فيها؛ فالرحمة والرأفة والإحسان إلى الآخر تُعدّ قيما أساسية في الأديان التوحيديّة، التي تُحدّد فيها علاقة الإنسان بالله في ضوء علاقة الإنسان بالإنسان. وفي هذا المقال نقف على آفاق البحث المقارن من منظور علم الأديان، وما نهض به من أدوار في بناء علاقة جديدة بين الأنا والآخر، إذ تبدو الحاجة إلى بناء تصوّر جديد لعلاقة الأنا بالمغاير دينيا مطلبا ملحا في ظلّ ما نراه في مناطق عديدة من العالم (مصر، فلسطين، لبنان،...) من صراعات عقائدية سرعان ما اتّخذت ، وما تزال - من العنف (إبادة الآخر) مقوّما لها، جاعلة من إلغاء الآخر شرط بقاء الأنا. لقد بيّن علم الاجتماع الديني أنّ الغاية الرئيسة التي تنشُدالأديان هي توحيد المؤمنين، بما يوفر الدين من قيم مشتركة، تقوّي انخراط الفرد في الجماعة، وما يعنينا في هذه المسألة: هل استطاعت الممارسة التاريخية للأديان توحيد المؤمنين؟ أَلا يمكن القول إنّ جزءا من النصوص الحواف (الممارسة التاريخيّة) حاد عن غايات النصوص المقدّسة؟ أَلم يكن بالإمكان تطوير الرؤية الدينية لتجاوز الوحدة الصغرى (أتباع العقيدة الواحدة) إلى وحدة كونيّة تجمع بين البشر على اختلاف أديانهم؟ هذه بعض الإشكاليات التي نروم الإجابة عنها في مبحثين: نعالج في الأول صورة الآخر في النصوص المقدّسة؛ أمّا في الثاني، فنتناول خصائص المنهج المقارن باعتباره المقوّم الرئيس لأيّ مشروع يروم تأسيس علاقة وطيدة بالآخر.[3]
I- روافد النص المقدّس، صورة الآخر أنموذجا
نسعى في هذا المبحث إلى تبيّن سلطة الواقع السياسي والاجتماعي، ودورهما في تحديد مواقف النصوص المقدّسة من الآخر؛[4] فالحروب التي شُنّت على الآخر، والتي كانت وراء سفك دماء آلاف العباد، باسم الله قامت. قُدّس الموت والخراب والدمار، ولحشد العباد وكسب تأييدهم، وتبرير الاعتداء على الآخر، استند مدبّرو الحروب وصنّاعها (الحروب الصليبيّة،...)،[5] إلى آي النصوص المقدّسة. ولا غرابة في ذلك، فـ"كلّما كان المقدّس عند طرف غير مقدّس عند الطرف الآخر تعطل الحوار".[6] لقد اتّخذت النصوص المقدّسة في آيات عديدة مواقف متشدّدة من الآخر، على أنّ هذه الصورة قابلتها صورة أخرى فيها احترام للآخر، ودعوة إلى التعايش معه. إنّ محاولة فهم الأسباب التي دعت إلى المراوحة بين محاربة الآخر والدعوة إلى التعايش معه تتطلب منّا إعادة النظر في السياقات التي نشأت فيها تلك المواقف.
أ- الآخر في العهد القديم : المراوحة بين العنف والتعايش
تعدّدت في "العهد القديم" الآيات الّتي فيها حثّ على عدم الاقتراب من الآخر والتواصل معه أو الاختلاط به، إذ عُدّ الزواج بالأجنبيات جرما عظيما؛[7]ففي النص التوراتي أحداث عديدة مارس فيها بنو إسرائيل العنف على الآخر، من ذلك ما ورد في الأصحاح الخامس والثلاثين من "سفر التكوين"من أنّ يعقوب أقام بين أهل شكيم/ نابلس العابدين" للآلهة الغريبة"،[8] ويبدو أنّ يعقوب لم يطل مقاما في أرض نابلس، حتّى اغتصب شكيم بن حَمُورَ الحِوِّيِّ دينة بنت يعقوب. ولا غرابة أنْ يتولّى يعقوب وأبناؤه الانتقام من المُعتدي على شرفهم، ولكنّ ما يلفت الانتباه هو أنّ يعقوب عمد إلى الحيلة - لما جاءه شكيم لخطبة دينة- بأنْ اشترط ختن كلّ ذكر في المدينة، فلمّا كان اليوم الثّالث من الختن، قام ابنا" يَعْقُوب شِمْعُون وَلاَوِي [...] وَأَتَيَا عَلَى الْمَدِينَةِ بِأَمْنٍ وَقَتَلاَ كُلَّ ذَكَرٍ. [..] ثُمَّ أَتَى بَنُو يَعْقُوبَ [...] وَنَهَبُوا الْمَدِينَةَ لأَنَّهُمْ نَجَّسُوا أُخْتَهُمْ. [...] وَكُلّ مَا فِي الْمَدِينَةِ وَمَا فِي الْحَقْلِ أَخَذُوهُ. وَسَبُوا وَنَهَبُوا كُلَّ ثَرْوَتِهِمْ وَكُلَّ أَطْفَالِهِمْ وَنِسَائهُمْ."[9] بيَّن الحدث المُتخيّل الأسس الّتي أقامت عليها الجماعة الإسرائيليّة وعيها بذاتها وبصلتها بالآخر؛ فالقوم رفضوا دعوة السّلام الّتي قدّمها شكيم وأبوه يوم قالا ليعقوب وأهله"لِنَصِيرَ شَعْباً وَاحِداً"،[10]ونرى في نهب المدن وتخريبها فسادا، بينما يرى فيه يعقوب ثأرا لشرف ابنته. العنف والانتقام من الآخر والرغبة في محوه كان شكلا من أشكال التعويض، وقد نهضت الأحداث المُتخيّلة في هذا المجال بدور مهمّ في إعطاء الجماعة اليهودية خصوصية ودورا في التّاريخ السياسي للمنطقة؛ فجماعة إسرائيل التي لم تستطع الانغماس في الحياة الثّقافيّة والدّينيّة والسّياسيّة للمنطقة، إذ ظلّت الجماعة قبائل رعويّة، لا أرض لها ولا تاريخ، ولا وزن لها في المنطقة، بل يكاد أهل تلك المنطقة من حثّيين وأمُوريين وكنعانيين.... وغيرهم لا يشعرون بوجود هؤلاء البدو. وما يقوّي هذا الرأي عندنا هو أنّ اليهود اتّخذوا في فترات الاستقرار موقفا إيجابيا من الآخر؛ فالاعتداء عليه ذنب لا يغفر، من ذلك أنّ الرب الإله توعّد داود بالعقاب بسبب دفعه بأوريا الحثّي إلى الموت قصد الزّواج بامرأته.[11]ولا غرابة في ذلك، فالرب الإله بارك الآخر، مثلما بارك بني إسرائيل.[12] حدّدت أسفار"العهد القديم" في أكثر من موضع علاقة بني إسرائيل بالمغاير دينيا وثقافيا؛ فكان قوامها العنف والإقصاء. [13]ونحن إذا ما تأملنا تلك العلاقة ألفيناها لاتخرج عن السائد بين الأمم في تلك العصور من حروب ومواجهات مستمرّة.
ب - الآخر في العهد الجديد: من الإلغاء إلى الاعتراف
ذكرت "أعمال الرسل"، أنّ كلاّ من الرسول بطرس والرسول بولس وجدا معارضة شديدة من الجماعة اليهودية، ومن بعض الرّسل بسبب دعوتهما إلى ضرورة انفتاح العمل الرّسوليّ على الأمم الأخرى.[14]وقد انقسم التلاميذ بسبب هذه الدعوة إلى قسمين، وهو ما عبّرت عنه الخصومات التي قامت بين برنابا وبولس من جهة، وبين بطرس وأغلب الرّسل من جهة أخرى؛[15] ذلك أنّ الانفتاح على الأمم المجاورة فيه مخالفة لممارسات المسيح الّذي اعتبر نفسه مخلّصا لليهود دون غيرهم؛ فهو "لم يُـرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ"[16] إنّ الانفتاح على الآخر يبيّن بعض الوسائل الّتي اعتمدها الرّسل لمواصلة نشر كلمة المسيح، وجعل رسالته أمرا واقعا لها أنصار ومؤيدون. ولا يفوتنا في هذا المجال الإشارة إلى أنّ ما أقدم عليه التلاميذ مثّل تجاوزا للتصور الديني الذي وضعه المسيح، على أنّ ما قام به التلاميذ كان ضرورة اقتضتها الظروف؛[17] فـ"أعمال الرسل" مثّلت حركة اجتماعيّة ودينيّة إصلاحيّة أثارت اضطرابات سياسية هدّدت مصالح شرائح عديدة من المجتمع اليهوديّ وغير اليهوديّ،[18]وقد سعت تلك الفئات إلى اضطهاد التلاميذ والتضييق عليهم، وهو ما فرض على الرسل نشر تعاليمهم بين الأمم المجاورة. وفي ما يتعلق بهذه المسألة نشير إلى أنّ هذا الانفتاح كان انفتاحا جزئيّا، إذ ظلّ لليهود الدور الرئيس،[19]إذ اقتصر العمل التّبشيريّ على اليهود دون غيرهم من جهة،[20] ومن جهة أخرى، بقي طقس الختان أهم الطقوس الدّالة على الانخراط في الجماعة المؤمنة بيسوع رغم سعي بطرس إلى إلغاء ذلك.
ج - الآخر في القرآن الكريم
منح النص القرآني للإنسان حرية تقرير مصيره ، ذلك أنّ المبدأ الرئيس الّذي قام عليه "القرآن الكريم" مداره على أنّ " لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ".[21] الإيمان والكفر مسألتان متعلقلتان بالفرد، ونحن إذا ما تأمّلنا أحوال الإنسان في القرآن الكريم، ألفيناها متنوّعة مختلفة باختلاف مواقف الإنسان من التوحيد الّذي يعدّ جوهر الإسلام؛ فالإنسان هو المسلم، وهو الكافر والمشرك، هو المؤمن بما جاء به محمّد، وهو المكّذب به العابد للأصنام والأوثان، أو هو أتباع الأديان التوحيدية (اليهود، النصارى) . وقد حدّد النص القرآني في آيات عديدة العلاقات التي قامت بين الجماعات الدينيّة؛ فكانت متحاربة حينا متعايشة في فضاء واحد في طمأنينة وسلام حينا آخر، وما يلفت الانتباه في ما يتعلق بالوضع الأوّل (الحرب،...) أنّ الدعوة إلى قتل الآخر وإباحة دمه كانت قصاصا وردّ فعل على العنف الممارس ضد الجماعة المسلمة، وهو ما يتجلّى في الآيات القرآنية التالية:" َاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ [...] وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ [...] حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [...] فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ [...] وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ". [22] ارتبط العنف في النص القرآني بأوضاع مخصوصة تكون فيها الجماعة المسلمة مهدّدة في وجودها، وهو ما يعني أنّ "العنف إزاء الغير [...مأتاه] عنف الغير إزاءنا [فـ] المبادرة بنفي الغير مستبعدة، بل يوصي القرآن بنفي هذا النفي"؛[23]ذلك أنّ دم الآخر محرّم على المسلم، مثلما هو محرّم عليه دم المسلم. تميّزت علاقة الأنا بالآخر في النصوص المقدّسة بالمراوحة بين التواصل والانفصال، على أنّ العنف والإقصاء موقف اقتضاه وضع الأنا في لحظات تاريخيّة معيّنة؛ فكلّما شكلّ الآخر تهديدا للأنا ووجوده وقيمه، انقلب التواصل عنفا متبادلا. لقد وضعت النصوص المقدّسة أسس التعايش السلمي بين أتباع الأديان التوحيديّة - وغيرهم-، فلماذا ضاقت الحياة اليوم باليهودي والمسيحي والمسلم، فلم يعد قادرا على التواصل والعيش مع الآخر في فضاء واحد؟ تعود المسألة - في تقديرنا- إلى سطوة الممارسات التاريخية التي جعلت من الإقصاء قاعدة، وهي بذلك تكون قد قوّضت أهم أس قامت عليه الأديان التوحيدية (الدعوة إلى التعايش)؛ فكان التعصّب ماهية الدين، وكان سفك دم الآخر شكلا من أشكال التقرّب إلى الله .
: II الـمـبـحث المـقــارن وبـناء صـورة الآخــر
أ- البحث المقارن في المقاربات التقليديّة من الإلغاء إلى الاحتواء
وما فيها من عوج، وهو ما جعل المبحث المقارن يتّسم في تلك المدوّنات التقليدية بالمعيارية؛ فالمجادلات التي قامت بين أتباع الأديان التوحيديّة عمّقت الخلاف والعداء والبغضاء بين المنتمين إليها،[24]ووسعت دائرة الفتق بدلا من أنْ تقرب القلوب وتؤلّف بينها. ورغم تعدّد المحاولات الساعية إلى إعادة فهم علاقة الأنا بالآخر بعيدا عن القول بالتحريف، فإنّ تلك المحاولات انتهت - في تقديرنا- إلى نتائج متشابهة، رغم انطلاقها من مسلّمات فكرية متباعدة؛ فالمقاربة التاريخيّة التي رامت تأسيس رؤية جديدة بالبحث في أهم الروافد، وأشكال التأثير والتأثر القائمة بين الأديان، انتهت إلى المفاضلة بين الثقافات والأديان، عندما جعلت العلاقة القائمة بينها خاضعة لمبدأ التأثير والتأثّر،[25] وهي قراءة حاولت المقاربة الجدلية المادية تجاوزها عندما رأت في تشابه الأوضاع الاجتماعية والعادات والتقاليد دليلا قاطعا على تماثل في الأوضاع الاقتصادية والمادية،[26]وهو تصوّر سرعان ما هدّمت المقاربات الأنثربولوجية أركانه، عندما بيّنت أنّ التشابه دال بالأساس على وجود تفاعل بَنَّاءٍ بين الثقافات والشعوب والأديان مأتاه اشتراكها في الهواجس.
ب - تاريخ الأديان / علم الأديان[27] وبناء أسس جديدة للمبحث المقارن[28]
كانت الدراسات المعاصرة المهتمّة بالظاهرة الدينيّة على اختلاف مشاربها (علم النفس الديني، علم الاجتماع الديني، علم الأنثربولوجيا الدينيّة،...) على وعي بأنّ البحث في الظاهرة الدينية لا يهدف إلى بلوغ الحقائق الدينيّة بما هي حقائق متعالية على التاريخ والواقع. لقد أسس الوعي بالعلاقة الجدلية القائمة بين النصوص المقدّسة وواقعها تصوّرا جديدا قوامه أنّ البحث المقارن لا يروم تبيّن وجوه المطابقة بقدر ما يسعى إلى فهم الاختلاف وتبيّن دلالاته،[29]فعلم الأديان المقارن بيّن أنّ" لكل مجتمع وثقافة خصوصياتها، وفي ذلك تقويض لفكرة المركزية الثقافية[...] فإذا بالتنوّع الثقافي وحقّ الاختلافDifférence أسّ البحث في علم الأنثربولوجيا، ذلك أنّ الكونية لا تتجلّى في المماثلة، وإنّما في المغايرة الّتي لاتؤدّي إلى محو الهوية Identité بقدر ما توطّد أركانها من خلال الانفتاح على الآخر".[30] في ظل هذه الرؤية أصبح من الممكن الحديث عن حوار بنّاء بين الأديان والثقافات والحضارات، يقوم على" الاعتراف بالآخر [...] شريكا [...] له ما لنا من الحقوق [...وهو ما يحقّق] التكافؤ [...الّذي يعني] أنّ الآخر ذات ليست بأقلّ من ذاته هو".[31] وقد ترتّب على تحديد أسباب الائتلاف والاختلاف بين الأديان والثقافات وضع أسس جديدة للبحث المقارن، تقوم بالأساس على الوعي بأنّ "المـقارنـة [تنأى عن] القـول إنّ هذا النص أخذ عن ذلك [...] أو أساء النقل، بل يقتضي المنهج المقارن معرفة التوظيف الجديد الّـذي يـكـتـسـبه نـفـس الحدث [...] في النصوص والأديان المختلفة...".[32] أخرج علم الأديان المبحث المقارن من السياق الجدالي الاحتوائي المؤسَّس على النزعة المعيارية القائم على مبدأي التطابق والتجانس، ومنحه دلالات جديدة تكون فيه المقارنة طريقة نقف من خلالها على خصوصيات الرؤى الدينيّة ضمن المشترك (القصص/العقائد/...)، وفي ذلك ردّ على أصحاب التصوّرات التقليدية التي رأت في اقتباس الأديان [33]من بعضها البعض حجّة دامغة على وجود انتحال. يؤكّد "التناص" بين النصوص المقدّسة في مستوى القصص أنّ العلاقة التي تجمعها، تتأسس على مبدَأ الاقتراض؛[34] فكل نص يعمل على "امتصاص"رموز وشخوص وأحداث ومُتخيّل النصوص السابقة له، وذلك بإعادة صياغته في قوالب جديدة وفق تصوّر جديد.[35]
ج - آليات البحث المقارن بين الأديان التوحيديّة (قصص الأنبياء أنموذجا)
إنّ الاختلاف القائم بين نصوص الأديان التوحيديّة يتجلّى في جوانب عديدة، من أهمّها الإرث القصصي المشترك (قصص الأنبياء،...)، ونحن إذا ما تأمّلنا أشكال المحاكاة بينها ألفيناها ثلاثة، وهي:
1.الحذف: يقوم النص اللاحق بحذف جملة من الأحداث التي ذُكرت في النصوص السابقة، ومثال ذلك حذف القرآن الكريم تجديف أيوب على الله (سفر أيوب في العهد القديم).
2.الإضافة: يذكر النص اللاحق أحداثا لم يقع ذكرها في القصّة الأصلية/ النص السابق له، ومثال ذلك جعل القرآن الكريم إبراهيم مقاوما للأصنام.
3.التحويل: اتّخذ التحويل في قصص النصوص المقدّسة بعدين؛ يتمثّل الأوّل في استبدال الأطراف المساهمة في الأحداث، ومثال ذلك جعل القرآن الكريم الشيطان ينهض في قصّة الخلق بالدور الّذي نُسب إلى الحيّة في سفر التكوين. أمّا البعد الثاني، فيتجلّى في نسبة الحدث إلى أطراف غير تلك التي نُسب إليها الحدث نفسه في النص السابق، ومثال ذلك جعل النص القرآني السامري صانعا للعجل، بعد أنْ كان هارون في التوراة من صنعه، ومثال ذلك أيضا إلقاء القوم إبراهيم في النار، وهو حدث تعلّق في "العهد القديم" بالنبي دانيال.
إنّ النظر في مختلف الأشكال التي ذكرنا، يبيّن أنّ محاكاة النص المقدّس للنص السابق لا تخلو من علامات عديدة دالة على الإضافات التي أحدثها النص اللاحق في أحداث النص السابق، فإذا بالتشابه مقتصر على الظاهر؛ فالنصوص المقدسة، وإنْ اتّخذت من السابق لها منوالا، فإنّها أضفت دلالات خاصة بها على الأحداث والمقولات المقتبسة. شهدت النصوص المقدسة عمليات تحويل حتّى تتواشج الأحداث المستعارة ومقتضيات المنظومة الدينية والثقافية التي يراد إنشاؤها، فإذا بالنص الديني يهوديا كان أم مسيحيا أم إسلاميا نص جامع، اشتركت في وضع أسسه ثقافات مختلفة، ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال نسبته إلى من انتهت إليه (بولس، بطرس،...) أو الثقافة التي ترعرع فيها (اليهودية، العربية الإسلامية)، إنّها نصوص كونية قبل أنْ تكون نصوصا خاصة بثقافة ما.
خاتمة
اتّسمت العلاقة بين أتباع الأديان التوحيدية بالعدائيّة؛ فكلّ جماعة دينيّة رأت في عقائد الآخر انحرافا عن الصراط المستقيم، وهو ما أدّى إلى ممارسة العنف المتبادل (الحرب،..) الّذي سعينا إلى تتبّع آثاره والوقوف على دلالاته، فبان لنا أنّه مقاومة لكلّ أشكال إلغاء الأنا؛ فالحرب لم تكن القاعدة الّتي بنى عليها هذا الدين أو ذاك علاقات أتباعه بأتباع الأديان الأخرى، على أنّ الممارسات التاريخيّة جعلت من العنف قاعدة، إذ حُمّل الدين بدلالات التعصّب والرغبة في إقصاء الآخر واقتلاعه مقابل السعي إلى إثبات الذات، وكأنّ العالم لا يسع الطرفين معا. وما زاد الوضع تأزّما انخراط رجال الدين وعلماء الكلام في مجادلات رامت الحطّ من الآخر. ورغم المحاولات التي سعت إلى إعادة بناء علاقة واضحة مع الآخر استنادا إلى بعض المقاربات الحديثة، فإنّ أغلب تلك المحاولات انتهى إلى بناء مركزية جديدة تكون فيها الأديان مُؤثّرة ومتأثّرة. ولئن قامت هذه المقاربات على تصوّر مخصوص اختزل الكونية في البحث عن أشكال المطابقة التي لم يكن لها وجود، فإنّ التطورات المعرفية والأنساق الفلسفية والنظريات المختلفة (نظرية التناص،..) قد فتحت آفاقا جديدة للبحث المقارن، الّذي رام مع علم الأديان والأنثربولوجيا الدينيّة. [36]تجاوز دائرة الذات بالسؤال عن وجوه تفاعلها مع الآخر[37]الّذي ينتمي إلى فضاءات ثقافية مغايرة، وهو ما عمّق وعي الذات بخصوصياتها. وبهذا المعنى، فإنّ المقارنة بين الأديان ضرورة يتحقّق بها فهم الذات لذاتها، ولمنزلة الإنسان في الكون، من خلال تبيّن ما يصلها بالآخر وما يفصلها عنه.
وفي ظلّ هذا التصوّر الجديد، عُدّ الاختلاف بين الأديان والمذاهب اختلافا في التصوّرات،ذلك أنّ الأصل في الإنسان الاختلاف والمغايرة. وبناء على ذلك، فليس ثمّة ما يدعو إلى اعتبار اشتراكها في الإرث العقائدي والقصصي دالا على سرقة اللاحق ما للسابق؛ فالاقتباس له آليات وأشكال متعدّدة يقود النظر فيها إلى القول إنّ لكل نص رؤاه، على أنّ ما يجمع بين الأديان - التوحيدية وغيرها- إيمانها بالإنسان وتقديسها له، وتلك هي القاعدة التي يجب أنْ يُقام عليها كلّ حوار بنّاء بين معتنقي الأديان التوحيديّة.

 

أحداث "الربيع العربي" وأفول مسلسل "اختطاف الإسلام"
منتصر حمادة
مؤمنون بلا حدود
هناك لائحةعريضة من الحسنات تحسب لهذا "الربيع العربي"، ولا تندرج في سياق تفكيك أنظمة وأنساق السلطوية في الساحة العربية، كما تروج لذلك أغلب القراءات المُسَيّسة، سواء كانت صادرة عن فكرانيات (إيديولوجيات) إسلامية حركية، أو فكرانيات منافسة، بقدر ما تندرج في ما هو أكبر من الهواجس السياسية، ومعها هواجس التحكم والرغبة الدفينة في الإمساك بزمام السلطات الزمنية الحاكمة، كما اتضح ذلك جليا بعيد اندلاع هذه الأحداث. نعتقد أن أهم حسنات "الربيع العربي" أنه يسهم عمليا (ونظريا لاحقا.. للمفارقة) في وضع حد لمسلسل "اختطاف الإسلام"، ونقصد بـ"اختطاف الإسلام"، "الظاهرة الدينية" التي عصفت بالمجال التداولي الإسلامي (العربي تحديدا) منذ قرن تقريبا؛ لنقل أن الدين يتعرض للاختطاف من طرف أهل التديّن، وأن عملية "الاختطاف" هذه، والأقرب إلى حالات الاشتباك في أنماط التديّن هنا وهناك، مَرّت من أربعة مراحل أساسية، تُميّز واقع "اختطاف الإسلام":
ـ جاءت المرحلة الأولى مع تأسيس جماعة "الإخوان المسلمين"، على يد الإمام حسن البنا، أربع سنوات بعد الصدمة التي عصفت بالعقل الإسلامي الجمعي؛ أي صدمة سقوط "دولة الخلافة" (مع التردي الحضاري للإمبراطورية العثمانية) في غضون سنة 1924؛
وجاءت المحطة الثانية مع اندلاع "الثورة الإسلامية" في إيران في غضون سنة 1979 بكل التطلعات الميدانية المرتبطة بهذا الحدث، والذي غدا مشروع مُجمل أطياف التيار الإسلامي، في شقيه الدعوي والسياسي على الخصوص، بحكم أن الفصيل "الجهادي"، لم ينتظر كثيرا حتى يُترجم مشاريعه على أرض الواقع، من خلال تفاعله مع تبعات الغزو السوفياتي لأفغانستان، يوم 24 كانون الأول/ دجنبر 1979؛ والمفارق أننا سنعاين في نفس السنة، وتحديدا في 20 تشرين الثاني/ نونبر 1979 الموافق لفاتح من محرم من عام 1400 هجرية، واقعة اقتحام الحرم المكي في السعودية، التي قام بها جهيمان بن محمد سيف العتيبي الذي ادعى أنه "المهدي المنتظر"؛
ـ أما المحطة الثالثة، فتجسّدت بشكل جلّي مع صدمة اعتداءات نيويورك وواشنطن، في 11 أيلول/ شتنبر 2001، وهي الصدمة/ المرحلة التي أوجزها آنذاك الباحث الباكستاني شيما خان، عندما حذّر بصراحة من مغبة "اختطاف الإسلام"، (The Language of Islam has been hijacked) في سياق زمني يتميز باستخلاص بعض دروس صدمة اعتداءات نيويورك وواشنطن؛ حيث انتقلنا من مرتبة نقد الحركات الإسلامية (الدعوية والسياسية) بتكريس خيار "اختطاف الإسلام"، نحو مرتبة أعلى في مسلسل الاختطاف، مع دخول الحركات الإسلامية "الجهادية" على الخط، تكريسا لواقع "الصراع على الإسلام"، إذا استعرنا عنوانا لافتا ودالا لأحد أعمال رضوان السيد؛
ـ اتضحت معالم المرحلة الرابعة من هذا المسلسل التاريخي مع أحداث "الربيع العربي" التي اندلعت ابتداء من 25 كانون الثاني/ يناير 2011، والتي جعلت بعض الحركات الإسلامية، تقترب أكثر من تحقيق الأحلام الأولى التي من أجلها بزغت المرحلة الأولى من المسلسل، ويكفي أن هذه المرحلة ستجعل المجال التداولي المصري يعُج بما لا يقل عن 16 حزبا إسلامية في غضون مطلع العام 2013، أو أن يعُج المجال التداولي السوري بما لا يقل عن سبع حركات إسلامية ترفع راية "الجهاد" هناك. التدافع السياسي السائد في الساحة المصرية حول أداء تدبير جماعة "الإخوان المسلمين" لنظام ما بعد حسني مبارك، تطور إلى تدافع عقائدي صرف، تغذيه تصريحات العديد من الرموز الإخوانية والسلفية، والتي لم تتردد في اتهام المخالفين سياسيا للجماعة بأنهم كفرة، يتوجب على الأتباع (الإخوان والسلفيين)، التحالف من أجل قتالهم، ولا تنقص الأمثلة الصادمة في هذا الصدد، ونتوقف هنا عند نموذجين اثنين:
ـ الداعية السلفي أشرف عبد المنعم مثلا، يرى أن من يقاتل المتظاهرين يوم 30 حزيران/ يونيو، فيُقتل سيكون مصيره الجنة، أما المتظاهرون [وأغلبهم لا ينتمي إلى الجماعة]، فسيكون مصيرهم النار"، والداعية عضو "الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح" في مصر، والتي تضم من بين المؤسسين، خيرت الشاطر، نائب المرشد العام للإخوان المسلمين؛
ـ الداعية السلفي وجدي غنيم، وَجّهَ تهديدا صريحا إلى مخالفي جماعة "الإخوان المسلمين"، والتهديد موجه إلى جميع المصريين الذين لا ينتمون إلى الجماعة، ولا ينتمون بالضرورة إلى تيار سياسي ينهل من مرجعية إسلامية حركية (إخوانية أو سلفية)، قائلا بالحرف: "رسالتي للكفرة، كذا اتلموا أحسن، التمرد على مرسي تمرد على الإسلام". وحدها هذه التصريحات كفيلة بأن تعيد الصواب (كما هو مأمول) لدى العامة والخاصة، بخصوص حقيقة مشاريع هذه التيارات التي ترفع شعار "الإسلام هو الحل"، ونقصد بالصواب هنا، الانخراط النظري في التفريق الضروري بين مقتضى الدين ومقتضيات التدين، بالصيغة التي اشتغل عليها على سبيل المثال لا الحصر، عبد الجواد ياسين في كتابه القيّم "الدين والتديّن"، والصادر في غضون العام 2012 عن دار التنوير. من سخرية الأقدار ـ أو بسبب "مكر التاريخ" ـ أن يكون البلد الذي انطلق منه مشروع/ مسلسل "اختطاف الإسلام"، هو نفس البلد الذي من المنتظر أن يعرف آخر محطات هذا الاختطاف، مادامت مشاريع "اختطاف الإسلام"، أكدت محدوديتها في الإصلاح، بسبب ثقل أعطاب بنيوية تعاني منها، وفي مقدمتها عطب النزعة التسييسية المتغلغلة في الجهاز المعرفي لهذه التيارات، والتي تجعلها تختزل الدفاع عن مشاريعها بأنه دفاع عن الإسلام، وكل مخالف سياسي مُصنف في خانة عدو للإسلام (عدو للدين ومخالف لنمط معين للتدين). لا تقل الأمور سوداوية في الحالة السورية؛ حيث بروز مخاوف حقيقية من تكرار مآسي "الفتنة الكبرى" التي تقف بشكل كبير وراء تأزم العمل السياسي في المجال التداولي الإسلامي بشكل عام، وخاصة بعد إصدار بعض علماء الساحة "فتوى الجهاد في سوريا"، موازاة مع إعلان الإدارة الأمريكية عن البدء في تسليح جزء من المعارضة السورية. على عهد الرئيس المصري السابق، كانت العامة والخاصة تعلم أنه الرئيس الرسمي والفعلي للدولة، وعلى عهد الرئيس الحالي، تعلم العامة والخاصة، أن الرئيس الحالي، هو الرئيس الرسمي، وليس الفعلي، مع حدوث انقسام في الآراء حول طبيعة الرئيس الفعلي: هل هو مرشد الجماعة أم نائبه خيرت الشاطر، الرجل القوي في الجماعة، وفي كلتا الحالتين، نعاين تكريسا عمليا لخيار تدبير جماعة إسلامية دواليب الدولة بما يخدم مشروع الجماعة قبل خدمة الدولة، وبالنتيجة، نعاين توظيف المرجعية الدينية (المقدسة) في لعبة سياسية مدنسة، ليس من باب المقاصد الأخلاقية الضابطة للعمل السياسي (أو اللعبة السياسية)، وإنما في سياق الانتقام من عقود مضت، واستغلال الوضع لخدمة مشروع فئوي جماعاتي يختزل الدين في نمط محدد من التدين لا يمثل إلا نفسه؛ فالأحرى أن يُمثل وطنا أو أمة أو إنسانية.
معلوم أن أحداث "الربيع العربي" جاءت احتجاجا على هيمنة أنظمة "الحزب الواحد"، أو باصطلاح قاموس ما بعد "الربيع"، ضد هيمنة "الجماعة الواحدة"، وواضح أن أداء كبرى وأم الحركات الإسلامية في الساحة العربية، لم يخرج عن هذا المأزق التنظيمي في التدبير، ما دام يُصر على تدبير شؤون دولة عريقة في التاريخ والإنسانية بعقلية الجماعة والمرشد والبيعة، لاعتبار بديهي مفاده أن الجماعة تبقى الحاضنة للرئاسة، وهي التي تدير الحملة الإعلامية المضادة لحركة "تمرد" التي في الظاهر يبدو أنها تناهض طريقة تدبير الجماعة لشؤون الدولة، وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ولكنها في الباطن، تناهض "اختطاف الإسلام" في الساحة المصرية.

 

المصـري يؤكد ضـرورة الحوار بين حكماء المذاهب تجنبا للفتنة
 الدستور
قال رئيس مجلس الأعيان طاهر المصري، خلال رعايته امس مؤتمرا إقليميا بعنوان «التحولات السلفية: الدلالات، التداعيات، والآفاق»، «إننا فخرون بسلفنا الصالح الذين أقاموا الدين الإسلامي القوي المعتدل، ذلك الدين الذي ينظم الأمور الحياتية كافة»، موضحاً ان السلف «منهجه صالح ويتعامل مع مفهوم الدين بالشكل الصحيح».
وأشار المصري، خلال المؤتمر الذي نظمه مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية بالتعاون مع مؤسسة فريدريش أيبرت الألمانية في فندق لاند مارك، إلى ضرورة دراسة موضوع التكفير والذي «بدأ يتطور بشكل غير طبيعي، فالإسلام لا غلو فيه ولا تطرف».
واضاف أن الاسلام يحرص على تطبيق المساواة واقامة العدل والاحسان وايتاء ذي القربة وينبذ الهيمنة السياسية التي تقوم على اسس مذهبية للوصول الى الاهداف السياسية التي لا يحبذها ديننا الحنيف، مشيرا الى ان جلالة الملك حذر من التوسع في إذكاء نار الطائفية في العالمين العربي والإسلامي الذي سيكون له أبعاد مدمرة على أجيالنا القادمة وعلى العالم.
ولفت الى ضرورة ان يكون هناك حوار شامل وبناء بين حكماء الطرفين تجنبا للفتن ويكون الهدف منه حقن دماء المسلمين من الطرفين، مشيرا الى حرمة الدم المسلم على المسلم مهما كانت الظروف والاسباب.
من جانبه، بين الباحث في الحركات الإسلامية أسامة شحادة، في ورقة عمل قدمها بعنوان «تفاعلات سلفيي الأردن مع الربيع العربي والآفاق المستقبلية»، أن السلفية في الأردن بالعموم لا تولي الشأن السياسي أولوية أو اهتمام لأسباب موضوعية وذاتية، لأن العملية السياسية «لا تزال عملية هلامية، لا تأثير حقيقيا لها في الإصلاح».

وقال إن من إيجابيات الربيع العربي على سلفيي الأردن إنها «أحدثت هزة في الأوساط السلفية ورفعت بعض الحواجز»، فضلاً عن أنها أطلقت مبادرات ومواقف، التي لولا الربيع العربي لكانت تحتاج لأعوام كثيرة قبل حدوثها.
وأوضح شحادة أن الربيع العربي جاء مفاجئا للجميع، ولا يزال لليوم تختلف الآراء حوله بحسب الفكر والدولة والموقف والموقع الذي ينطلق منه المتحاورون.
وخلال الجلسة الأولى من أعمال المؤتمر، قدم كل من الباحثين في الحركات الإسلامية من مصر أحمد زغلول ومن تونس فتحي السعيدي ورقتي عمل بعنوان «السلفيون في بلدان الربيع العربي».
من جهته، قال الكاتب والمحلل السياسي الزميل محمد أبو رمان ان الثورات الديمقراطية العربية تمثل نقطة تحول تاريخية في المسار المعاصر العام للتيارات السلفية، إذ قررت جماعات وتوجهات سلفية ولوج بوابة العمل السياسي والحزبي، والمشاركة في النقاشات الإعلامية في المجال العام.
وأشار أبورمان إلى أن التيار السلفي بصورة عامة، مع استثناءات قليلة، كان مستنكفاً عن المشاركة السياسية والعمل الحزبي، مركزاً جهوده على العمل التعليمي والدعوي والتربوي، مع رفض الولوج إلى اللعبة السياسية بذرائع وأسباب متعددة ومختلفة.

بدوره، قال مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية الدكتور موسى شتيوي أصبح التيار السلفي «لاعباً مهماً في المشهد السياسي العربي»،
مضيفاً «رغم أن تجربة هذا التيار السياسية تعد حديثة، إلا أنها تستحق التوقف عندها بحثاً ودراسة وتحليلاً».
وأوضح أن هذا المؤتمر ناقش وتدارس أبعاد الدور السياسي الجديد للتيارات السلفية وتحولاته، خصوصاً خلال العامين الماضيين، أو ما يسمى بحقبة الربيع العربي.
فيما قدم بالجلسة الثانية، التي ترأستها ميس النوايسة من مؤسسة فريدريش،كل من الدكتور عبدالغني عماد من لبنان والدكتور عبد الرحمن الحاج من سورية ورقتي عمل بعنوان «السلفيون في دول الأزمات العربية»، تحدثت عن موقف السلفيين من الديمقراطية والحريات العامة وحقوق المرأة والأقليات كما طرحت هاجس الحريات الفردية والسلم الأهلي والحريات الدينية في ضوء ما تقدمه الجماعات السلفية من خطابات سياسية وفكرية.
وفي الجلسة الثالثة والأخيرة من أعمال المؤتمر، والتي ترأسها فراس خير الله من مؤسسة فريدرش، قدم كل من الباحثين في الحركات الإسلامية أسامة شحادة من الأردن ونواف القديمي من السعودية ورقتي عمل بعنوان «السلفيين في الممالك العربية» تناولت تأثير تحول التيارات السلفية باتجاه العمل السياسي، أولاً على هذه التيارات وخطابها الفكري وثانياً على تشكّل الأنظمة العربية الجديدة، وتحديداً النظم الديمقراطية في مرحلة ما بعد الثورات.

 

إخوان الأردن والحدث المصـري
عريب الرنتاوي
صحيفة الدستور
أدلى “إخوان الأردن” بدلائهم في قراءة الحدث المصري، وصدرت عن عددٍ من كبار مسؤوليهم، تصريحات تصف خصوم نظام مرسي الإخواني، بأنهم أسوأ من نظام مبارك وفلوله، وتختصر الصراع المحتدم في مصر، بأنه صراع بين البلطجة والبلطجية من جهة والإرادة الشعبية كما يجسدها نظام مرسي من جهة ثانية.
والحقيقة أن هذه القراءة ليست سطحية وبائسة فحسب، بل وتشفُّ عن ضيق بالديمقراطية وقواعدها وأدوات تعبيرها، وتؤكد أسوأ مخاوف خصوم الإسلاميين ومجادليهم، والتي درج أصحابها على اتهام الإخوان بأنهم يريدون الديمقراطية لمرة واحدة، وأن علاقتهم بها ليست سوى علاقة “استخدام وتوظيف”، فهي تصلح فقط طريقاً باتجاه واحد: نحو السلطة، وتصبح مرذولة، حين تكون وسيلة خصومهم لإخراجهم منها وإنزالهم عليائها.
ما حصل أيها السادة، أن الشعب المصري خرج بغالبيته الواضحة (لا أقول الساحقة أو العظمى) إلى الشوارع والميادين، مطالباً برحيل الرئيس الشرعي والمنتخب (لا أحد يجادل في ذلك)، من خلال انتخابات رئاسية مبكرة، متوجاً ثورة الخامس والعشرين من يناير المجيدة، بثورة الثلاثين من يونيو المجيدتين على حد سواء ... ميادين مختلف المدن والقرى والبلدات، عجّت بمئات الألوف والملايين التي تشجب وتندد وتطالب، فهل كل هؤلاء “فلول” و”بلطجية” و”أسوأ من نظام مبارك” ... ألا يكتسب هؤلاء شرعية شعبية طالما تغنى الإخوان بها ونسبوها لأنفسهم ... أم أن “الشرعية” لا تكون إلا حيث يكون “الإخوان” ... و”الشعبية” لا تسير إلا في ركابهم وحدهم ... لماذا لم ير إخوان الأردن، إلا ميداناً واحداً في مصر: “رابعة العدوية”؟ ... لماذا أشاحوا بأبصارهم عن كل الميادين والشوارع التي عجت بخصومهم السلميين؟ ... لماذا يحاولون اختزال حركة الشارع المصري بعدد من البلطجية الذين اعتدوا على المقرات بالضد من نداءات جبهة الإنقاذ وقيادة حركة “تمرد”؟.
ثم من قال أن الشارع المصري يخشى صناديق الاقتراع؟ ... ألم تجعل “تمرد” و”الإنقاذ” الانتخابات الرئاسية المبكرة هدفاً لها؟ ... لماذا يرفض إخوان مصر، ومن خلفهم (ورجع صدى لهم) إخوان الأردن، الانتخابات الرئاسية ويصرون على البرلمانية، هل فشل الرئيس ونجح الإخوان مثلاً؟.
ثم كيف يُسبغ إخوان الأردن على أنفسهم “شرعية”النطق باسم الشعب وكثرته الكاثرة، وهم بالكاد يحركون بضعة مئات أو آلاف إلى الشوارع والميادين الأردنية، في حين ينكرون على ملايين المتظاهرين حقهم في النطق باسم الشعب المصري، بل ويصفونهم بما لم يجرؤ نظام مبارك على وصفهم به؟ ... أليست هذه معايير مزدوجة، وديمقراطية بتراء، لا ترى إلا ما ينفع الإخوان، أما ما ينفع الناس وخصوهم، فإلى الجحيم؟ ... ومن يصدق الإخوان في ادعائهم الديمقراطي بعد اليوم، وهم الذي ينظرون إلى خصوم إخوان مصر، على أنهم بلطجية وأدوات لمؤامرات خارجية وبيادق في يد الولايات المتحدة؟ ... ما إذا قرر خصوم إخوان الأردن، التحرك سلمياً وشعبياً ضدهم، هل سيصبحون خونة وجواسيس وطابورا خامسا وبلطجية؟
ثم ما حكاية “المؤامرة الأمريكية” التي صدع لها المتظاهرون والبلطجية والفلول؟ ... كنا نظن أنها بضاعة قديمة، لم يعد أحد يجرؤ على عرضها في السوق، فإذا بهم يشهرونها مرة ثانية ... وبقليل من الموضوعية نقول لإخوان الأردن، أن الهتافات المناهضة للولايات المتحدة علت في مختلف الميادين والشوارع المصرية بالأمس، ما عدا ميدان رابعة العدوية ... وأن علم إسرائيل حُرق على أبواب قصر الاتحادية وليس في ميدان رابعة العدوية ... وأن صور سفيرة الولايات المتحدة في مصر آن باترسون حرقت في ميدان التحرير وليس في ميدان رابعة العدوية، وأن “السي أن أن” التي كرست ساعات من بثها المباشرة لتغطية أحداث تركيا وسوريا وثورة 25 يناير، “غابت عن السمع” بالأمس، ولم تصدر أي صحيفة كبرى في الولايات المتحدة بـ”مانشيتات” أو افتتاحيات عن الحدث المصري، فمن هو المشتبه بارتباطاته الأمريكية، ومن هو الأقرب لأجندات العم سام المصرية والإقليمية والدولية ؟
أما عن “الجزيرة” وأخواتها، فحدث ولا حرج ... قارنوا هزال التغطية اليوم وانحيازها ، وحيوية التغطية وشمولها في يناير 2011 ... من هم ضحايا الصمت الأمريكي ... هل هم إخوان مصر ورئيسها أم المعارضون لهم في الشوارع والميادين المصرية؟
كفى لعباً بورقة الضحية (ضحية المؤامرات الغربية والإمبريالية) فما عادت مقنعة لأحد، خصوصاً بعد عودة اصطفافات الحرب الباردة وتحالفاتها، في العدد الأكبر والأهم والأخطر من الملفات العربية المفتوحة ... كفى إلغاءً وإقصاءً لكل خصوم الإسلاميين ومجادليهم، فإذا كانت حركات الإسلام السياسي قد عانت من الإلغاء والتهميش على أيدي نظم الفساد والاستبداد، فليس معنى ذلك أن يتقمصوا شخصية جلاديهم ومُبعديهم، وأن يستنسخوا لغتهم وخطابهم وأدواتهم ... وقد آن الأوان لوقفة مراجعة عميقة للخطاب والبرنامج والرؤية والأدوات ... آن الأوان للقبول بالآخر بشكل عميق وأصيل، وليس بشكل انتهازي وطارئ و”وظيفي” ... آن الأوان للإيمان بالديمقراطية والحرية كقيم عليا سامية، غير مشروطة، وغير قابلة للقسمة والمقايضة، فوق الأحزاب وعابرة لمصالحها الضيقة، وبما ينفع الناس ويبقى في الأرض.

ما يحصل في مصر، ومن قبله في تركيا، يجب أن يكون درساً وعبرة ... لا سببا للانكفاء والانغلاق وإطلاق النار يمنة ويسرة، ومن باب أولى لا مبرراً للتراجع عن بعض الخطوات المتواضعة التي أنجزتها هذه الجماعات على طريق تبني خطاب مدني – ديمقراطي بمرجعية إسلامية ... نأمل أن يتجذر هذا البعد في خطاب هذه الجماعات بدل أن تشرّع أبوابها لرياح التطرف .

 

شيعة وسنّة... أم فرسٌ وعرب؟!
مصطفى الفقي
صحيفة الحياة
عندما كنت سفيراً لبلادي في العاصمة النمسوية فيينا، كان السفير العراقي هناك هو السيد فارس نعمة الذي كان يحدثني عن الحرب العراقية - الإيرانية وسنواتها الدامية، وكنت أشعر من حديثه بالحس القومي العالي والفخر بعروبته والاعتزاز بعراقيته. ولقد كان معاوناً لرئيس أركان حرب القوات المسلحة العراقية قبل تعيينه سفيراً في فيينا ثم اكتشفت بعد عامٍ أو أكثر أن الرجل من الشيعة العرب، ومنذ ذلك الحين وأنا أدرك أن الذين يزايدون على الشيعة العرب إنما يغتالون ركناً مكيناً في قوميتنا ويخلطون عن عمد بين الانتماء العربي والتوصيف المذهبي، أخذاً في الاعتبار أن الفوارق بين السنّة والشيعة تاريخية وليست دينية. فالإله واحد ونبينا الكريم واحد وأركان ديننا مشتركة وقبلتنا واحدة، على حد تعبير السيد محمد خاتمي، الرئيس الأسبق للجمهورية الإيرانية الإسلامية عندما التقيته منذ سنوات عدة حين كان في زيارة إلى القاهرة يحضر مؤتمراً في الأزهر الشريف، وهو الذي قال من فوق منبره وفي حضور الإمام الأكبر الراحل: «إننا نتطلع إلى الأزهر الشريف لكي يقود المسيرة الإسلامية للسنّة والشيعة معاً»، خصوصاً أن الأزهر الشريف هو المركز السنّي الضخم الذي أباح التعبد بالمذهب الشيعي الجعفري والزيدي وغيرهما من المذاهب المتفق عليها جنباً إلى جنب مع المذاهب الأربعة لأهل السنة، ولعلنا نتذكر في هذه المناسبة الإمام الراحل محمود شلتوت صاحب الفتوى الشهيرة في هذا الشأن مع مطلع ستينات القرن الماضي.
أقول ذلك وأنا أنتمي إلى مصر التي قلنا عنها من قبل إنها «سنّية المذهب شيعية الهوى» فقد استقبلت أرضها الطيبة «أهل البيت» في القرن الأول الهجري، كما أن «الطقوس الفاطمية» ما زالت جزءاً لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية المصرية وأحداثها المتتالية. فلقد ترك الفاطميون تراثاً شيعياً اجتماعياً لدى الشعب المصري الذي يحتفل بعاشوراء ويحيي ليالي رمضان في بهرجةٍ وإسراف ويغشى الموالد ويهوى الاحتفالات الدينية، لذلك فإن الشعب المصري يبدو بعيداً تماماً عن التفرقة بين شيعي وسنّي، ولكنه يدرك الفارق بوضوح بين العربي والفارسي، وما زلت أتذكر من سنوات دراستي الجامعية أن أقرب أصدقائي قد جاءني ذات يوم قائلاً إن شاباً عراقياً قد تقدم للزواج من شقيقته فقلت له: هذا رائع فنحن أمة عربية واحدة، ولكنه أردف قائلاً: يقال عنه إنه شيوعي أيضاً، فقلت له: لا بأس فعبدالناصر يتحدث صباح مساء عن الاشتراكية والفارق ليس واضحاً بينها وبين الشيوعية على أي حال، وغاب صديقي وجاءني بعدها بيومين ليقول إن الذي تقدم لشقيقتي هو شاب عراقي شيعي، ولم يكن صديقي مدركاً لا هو ولا أنا في ذلك الوقت طبيعة الخلاف الكامن تحت الرماد بين السنّة والشيعة وهي فوارق اختلطت علينا ولم نتنبه إليها إلا بعد مواجهة بين صدام حسين والشيعة العرب رغم وجود شخصيات عربية مرموقة تفرق بين الارتباط المذهبي والانتماء القومي. ولنا في هذا السياق الملاحظات الآتية:
أولاً: إن القول بوجود تقسيم تحكمي للأمة الإسلامية بين سنّة وشيعة هو أمر فيه الكثير من التجاوز واصطناع أسباب للخلاف، فكما أن المملكة المتحدة تدعي أنها جاملت السنّة العراقيين عام 1920 فقد قام الأميركيون برد فعل مضاد عند دخولهم العراق عام 2003 فقاموا بعملية عكسية بمجاملة الشيعة العراقيين، ولا شك أن كل ذلك يعبّر عن محاولات لتقسيم الشارع الإسلامي وإلهائه وإنهاء دوره عن طريق شغله بهذه الخلافات المذهبية وصرف نظره عن الواقع المتردي الذي يسود المنطقة كلها وأزمة الثقة التي جثمت على العالم الإسلامي في ظل دعاوى طائفية ضيقة لا تعكس اختلافاً حاداً في جوهر الدين.
 
ثانياً: إن التفرقة بين «فرس» و»عرب» هي الأدق علمياً وتاريخياً واضعين في الاعتبار أن «الشيعة العرب» يسبقون «الشيعة الفرس» بمئات السنين، فقد بدأ التشيع بعد سنوات «الفتنة الكبرى» وواقعة التحكيم وتشيع أنصار الإمام علي، كرم الله وجهه، له ولذريته، بينما دخل المذهب الشيعي إلى إيران في عهد الدولة الصفوية في مواجهة الدولة العثمانية السنّية، كما أنه يتعين علينا أن ندرك أهمية العامل القومي الذي يسبق في نظرنا العوامل الأخرى، إذ إننا نعرف قيادات عروبية في مختلف الأقطار العربية جاءت من أقلياتٍ مذهبية وقدموا لأمتهم العربية ما يصعب إنكاره.
ثالثاً: إن موجات التشدد الإيراني هي إنتاج فارسي وليست إنتاجاً شيعياً، لذلك فهم يرفضون تسمية الخليج العربي إلا بعبارة «خليج فارسي» وليس «خليج إسلامي» مثلاً على نحو يرضي الطرفين، فالفارسية قومية عميقة وعريقة ولا تتعامل مع العرب بمنطق أنها دولة ذات غالبية شيعية وأن العرب أمة من غالبية سنّية، ولكن الأمر الذي يدفع إيران هو الخلفية الفارسية، بدليل أنهم اعتبروا ثورتهم «ثورة إسلامية» ولم يقولوا ثورة «شيعية» لأن مضمونها «فارسي» بالدرجة الأولى، ولو تأملنا تطلعات إيران المرتبطة بالهيمنة في منطقة الخليج والمشرق العربي فسنجد أنها انطلقت من دوافع قومية كامنة وليست دينية. فاحتلال الجزر الثلاث لدولة الإمارات العربية المتحدة والأصابع الإيرانية في البحرين، إضافة إلى دور «حزب الله» في لبنان، هذه دوافع قومية فارسية وليست دوافع إسلامية شيعية!
 
رابعاً: إن «الشيعة العرب» جزء لا يتجزأ من نسيج العروبة، ومن يتصور غير ذلك واهم، حتى إذا حدث تعاطف، على سبيل المثال، بين شيعة العراق وايران فربما يكون السبب في ذلك هو الجوار الجغرافي والعلاقة التاريخية بين حوزة النجف وحوزة قم وليست بالضرورة مشاعر دينية. إننا لا نقلل من تأثير المذهب الشيعي في أتباعه ولكننا نعظم من قدر القومية الفارسية على أبنائها ونختلف مع الذين يأخذون من الاختلاف الديني منهجاً لتفسير طبيعة العلاقة بين الدول العربية وإيران.
خامساً: إننا عندما نقول «عرب» و»فرس» فإننا نمضي وفقاً للتقسيم المعمول به بين الدول، خصوصاً أن الكثيرين من العرب يدعمون إيران في عدد لا بأس به من القضايا الدولية ويقفون على خلاف معها في البعض الآخر، وهل منع الخلاف المذهبي زواج الأميرة فوزية ابنة الملك فؤاد حفيد محمد علي مؤسس مصر الحديثة كأكبر دولة سنّية في المنطقة؟ هل منع الخلاف المذهبي زواجها من محمد رضا بهلوي شاه إيران السابق في أربعينات القرن العشرين؟ ألا يصلي في الحسينيات كثير من أهل السنّة ويغشى المساجد السنّية الكثيرون من الشيعة عند اللزوم.
إننا نهدف من هذه السطور إلى نزع فتيل التعويل على الخلاف المذهبي بين العرب وإيران لكي نقرر أنه خلاف سياسات بالدرجة الأولى أو هو صراع قوميات.
 
إنني من الذين يطالبون بأن تكون إيران إضافة إيجابية إلى الأمة العربية والعالم الإسلامي فلا أرى مبرراً على الإطلاق للشطط في العداء وتصوير العلاقة بين «الفرس» و»العرب» من منطق صدام حسين، ولكنني أراها من منطق آخر لا يريدها علاقة تنافسية ولكن أن تكون تكاملية خصوصاً أن الشعب الإيراني قد اختار بإرادته وفي انتخابات حرة رئيساً يمثل الجانب المعتدل هو الرئيس حسن روحاني، وحين أنظر حولي في بلدي مصر وأرى الصيحات السلفية العالية تعادي بشدة الإيرانيين لأنهم «شيعة» فإنني لا أرى ذلك تعبيراً صحيحاً عن الشخصية المصرية ولا توصيفاً دقيقاً لما يؤمن به المصريون.
دعونا نخرج الخلاف العربي - الإيراني من إطاره المذهبي لكي نضعه في مكانه الطبيعي خلافاً بين أمتين من منطلق قومي وليس دينياً، لذلك فإننا نقول «عربٌ» و»فرس» ولا نفضل أبداً القول سنّة وشيعة

 

حوار لا مواجهة
محمد محفوظ
صحيفة الرياض
تعلمنا تجارب جميع الحروب التقليدية وغير التقليدية، أن القتل والتفجير وعمليات الاغتيال والتخريب وما إلى ذلك من وسائل البطش والتنكيل، أنها لا تنهي مشكلة، ولا تعالج أزمة، بل توفر على المستويين النفسي والتاريخي كل مبررات ومسوغات الحقد والضغينة والكره بين البشر..
فعمليات القتل والتطهير العرقي والقبلي والمذهبي والديني، وإن كانت فظيعة ودامية، وتبرز بكل عناوينها ومحطاتها حجم ومدى التوحش الذي يصيب الإنسان، فيحوله إلى طاقة مدمرة وعدمية لذاته وللآخرين وللطبيعة أيضا.. فالقتل مهما كان فظيعاً لا يؤسس لاستقرار سياسي واجتماعي.. ومن يبحث عن الاستقرار بكل مستوياته، عبر وسائل القتل والتهجير والتطهير، فإنه يؤسس بطريقة أو أخرى، لجولات أخرى من القتل أكثر دموية ووحشية وفظاعة.. والدعوة إلى القتل لا تقل فظاعة ووحشية عن ممارسة القتل..
لذلك فإن كل دعوات القتل وتصفية الخصوم، هي حرب بعينها.. من هنا فإننا نرفض كل دعوات القتل والتطهير مهما كانت عناوينها ومبرراتها، كما نرفض في ذات الوقت ممارسة فعل القتل.. والعلاقة جد مباشرة بين الدعوة إلى القتل وممارسته.. فالذي نقتله في عقولنا ونفوسنا ومشاعرنا، حين تحين الفرصة سنقتله فعلا في جسده.. وينبغي أن لا نستسهل في هذا السياق عمليات القتل.. لأن من الجرائم التي تستدعي باستمرار سفك الدم والتعدي على حقوق الآخرين المادية والمعنوية..
وتتجلى حاجتنا جميعا إلى رفض لغة القتل وخطابات الدعوة والتسويغ إليه في أزمنة الفتنة، وشعور الجميع بأنه مستهدف في وجوده وحقوقه.. لأن هذا الخطاب الذي يدعو إلى القتل، ويستسهل شأنه وكأنه من لوازم الوجود الإنساني العزيز والكريم، هو في حقيقة الأمر يدشن لعصر مديد من الاقتتال الداخلي بين المسلمين.. لذلك مهما كانت الصعوبات، ومهما كانت المآسي التي تشهدها بعض مجتمعات المسلمين، ومهما كانت الصعوبات التي تعترض تعايش المسلمين مع بعضهم، ينبغي أن لا نندفع صوب تبرير عمليات القتل والتطهير بكل أشكاله..
والذي يمارس عمليات القتل باسم الحق والحقيقة، هو يقتلهما ويقبرهما في آن من خلال عمليات القتل وإبادة الناس وتطهير جغرافيته ممن يعتقد أنهم خصومه وأعداؤه.. فالاختلاف بين المسلمين حقيقة تاريخية واجتماعية، لا يمكن نكرانها أو تغطيتها.. ولكن ينبغي أن ندرك جميعاً أن استدعاء العنف وعمليات القتل في واقع المسلمين الراهن، يزيد من الإحن والأحقاد، ولكنه لا يعالج المشكلات الحاصلة بين المسلمين.. لأنها مشكلات مهما كان حجمها، لا يمكن أن تعالج بعمليات القتل وممارسة العنف ضد بعضنا البعض.. وفي سياق رفضنا العميق لعمليات العنف والقتل، التي تجري في أكثر من بلد عربي وإسلامي، نود التأكيد على النقاط التالية:
1-إن العلاقات السنية – الشيعية تمر بمرحلة صعبة وخطيرة، حيث تعددت مخاطر تفجير هذه العلاقة، وإدخالها في أتون المزيد من أشكال الخصومة المستديمة.. ونحن هنا ندعو أهل العلم والحكمة من كل الأطراف، إلى ضرورة القيام بمبادرات عملية وجدية، تستهدف إدارة هذه الاختلافات والتباينات بعيداً عن خطابات العنف وتسويغ عمليات القتل.. وواقع العلاقة الإسلامية الصعب الذي تعيشه المنطقة بكل أطرافها، ليس قدراً مقدراً، وينبغي أن لا نستسلم له، وإنما من رحم هذه المآسي التي تشهدها بعض البلدان العربية والإسلامية، من الضروري أن تتشكل إرادة إسلامية صادقة لمعالجة هذه المآسي، وإعادة صياغة العلاقة على أسس ومبادئ الدين المشترك والاحترام المتبادل وصيانة حقوق الجميع المادية والمعنوية..
ولابد من القول: إن جميع الأطراف، تمتلك قصصاً وأحداثاً وممارسات، تبرر لها الموقف الحالي التي هي عليه، ولكن لا يمكن أن تطفأ النار المشتعلة بنار مثلها.. والنار المشتعلة اليوم، تتطلب عاطفة حارة وجياشة لاستشعار كل المآسي والمشاكل والصعوبات، ولكن في مقام العمل والممارسة نحن أحوج إلى عقل بارد، يناقش كل الأمور بهدوء وعلم وموضوعية، حتى يتسنى لنا الوصول إلى معالجات صائبة لهذه الأزمات التي تؤرق الجميع وتهددهم في آن..
لذلك فإننا ندعو جميع المؤسسات الدينية والدعوية والفعاليات الإسلامية من كل الأطراف، إلى الإسراع في القيام بمبادرات مصالحة، تستهدف تدوير الزوايا، والبحث عن حلول واقعية تنهي حالات الاقتتال في بعض المناطق الإسلامية، التي بدأت تأخذ لها طابعاً مذهبياً وطائفياً..
فالمطلوب ليس استمرار المواجهة وتنقل الفتن بين المسلمين، وإنما الحوار كوسيلة أساسية لمعالجة جميع الأمور بجدية وموضوعية..
2-جميعنا يؤلمنا ويهز ضمائرنا ووجداننا ما نشاهده من عمليات القتل والحروب المتنقلة بين المسلمين.. ولكن هذا الألم والغضب، ينبغي أن لا يدفعنا إلى كب الزيت على النار، وإنما ينبغي أن يدفعنا إلى البحث عن حلول ومعالجات بعيداً عن لغة القتل والتفجير والعنف..
لهذا من الضروري أن نرفع الغطاء الديني والاجتماعي، عن كل الخطابات التي تحرض على القتل وتحث على ممارسة العنف.. لأنها خطابات تفضي إلى المزيد من إسالة الدماء دون مبرر شرعي وعقلي لها.. لأن العنف يستجلب المزيد من الفتن، التي إذا استشرت لا سمح الله، فإنها ستفضي إلى كوارث يندى لها جبين الإنسانية..
3-إننا في ذات الوقت الذي ندرك فيه حجم التباينات والتناقضات التي تعيشها الساحة الإسلامية في هذه الحقبة العصيبة والحاسة، ندرك في الآن نفسه أن دفع الأمور باتجاه المواجهة المفتوحة ستدمر الجميع، ولا رابح منها إلا أعداء الأمة.. فمهما كانت تناقضاتنا وملاحظاتنا الشرعية والسياسية على بعضنا البعض، فإن المواجهة والبحث عن انتصارات كاسحة لأي طرف، هي أوهام تزيد من آلام المسلمين دون وجود أفق حقيقي للمعالجة العادلة.. لذلك فإننا نعتقد أنه مهما كانت تناقضاتنا ومآخذنا على بعضنا البعض، لا حل أمامنا جميعاً إلا الحوار والمزيد منه، لاستيلاد حلول ناجعة تضمن معالجة الفتن من جذورها، دون التضحية بمكاسب المسلمين الراهنة والمستقبلية..
فتعالوا جميعاً نحافظ على سلمنا الأهلي وعيشنا المشترك، برفض كل دعوات القتل والعنف والتحريض، والبحث عن حلول عملية للمشكلات الراهنة..
إنها دعوة ملحة لبلورة خيار الطريق الثالث لبناء العلاقة بين مذاهب المسلمين، بعيداً عن لغة الاستقطاب المذهبي والحروب الطائفية..
.

التفكير الناقد ..وقود للبصيرة وطاقة للإبداع
 عامر السويداني
مجلة المعرفة 
أصبح العالم أكثر تعقيدًا نتيجة تدفق التحديات التي أنتجتها الثورة التكنولوجية، ويستند النجاح في مواجهة هذه التحديات إلى كيفية استخدام قدرات وطاقات التفكير بكل أطيافه مع ضرورة التعلم الفعال لإكساب الطلبة مهارات التفكير الناقد الذي أصبح حاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى.
أضحى تعليم التفكير الناقد في هذا العصر هدفًا عامًا من أهداف التربية في كثير من دول العالم المتقدمة، لذلك يعتقد الباحثون أن تعليم التفكير يمكن أن يسهم في تطوير البنية المعرفية للطلاب، فالتربية المعاصرة تسعى جاهدة لتعلم الفرد كيف يتعلم وكيف يفكر، حتى تصبح لديه القدرة على التعلم الذاتي المستمر، ومواكبة التغيرات المعرفية والاجتماعية، وإذا أردنا من الطالب أن يكون مفكرًا جيدًا ومبدعًا فلابد من تعليمه مهارات التفكير من خلال مجموعة خطوات واضحة تلائم مرحلة نموه وقدرته على الاستيعاب.
ويستند هذا التوجه على ما ذهب إليه الباحثون من أن المقدرة على إتقان مهارات التفكير تحقق آثارًا إيجابية في القدرة على التحصيل والإبداع، واتخاذ القرار وزيادة ثقة الطالب في نفسه، وتتطلب مهارات التفكير لدى الطلاب استراتيجيات لبناء الارتباطات بين المعرفة الجديدة والقديمة لضبط تفكيرهم، وتساعدهم في التخطيط وحل المشكلات الذاتية والاجتماعية واتخاذ القرارات بوعي وعقلانية، تتضمن مراقبة نشطة لعمليات المعرفة، يتمثل بالتخطيط للمهمة ومراقبة الاستيعاب، وتقويم التقدم، وهكذا تتابعت البرامج المتنوعة التي تتناول التفكير الناقد وتطوير مهاراته والارتقاء بها من البعد الأفقي إلى البعد الجانبي من أجل النفاذ إلى عمق الأشياء والظواهر والمواقف.
أشارت بعض الدراسات إلى أن تنمية مهارات التفكير تعتبر ضرورة ملحة لمواكبة متطلبات العصر والتكيف معها، وتطوير المجتمع، الأمر الذي يمكن المتعلمين من تطوير قدراتهم الفكرية، مما ينعكس على النجاح الدراسي، وتحسين مستوى التحصيل، بحيث يساعد التفكير السليم المتعلم على النجاح والشعور بالسعادة والتفوق.
يعد التفكير الناقد إحدى أبرز المهارات التي يحتاجها الطالب في القراءة والكتابة، وينظر إلى «القراءة الإبداعية» على أنها عملية إنتاج جديدة للمقروء تهدف إلى تمكين الفرد من إعادة بناء الأفكار المتحصلة، وإنتاج الجديد منها وغير المألوف.
وتعد القراءة الناقدة والإبداعية من الأهداف التي تسعى إليها معظم الأنظمة التعليمية في العالم وإكسابها للمتعلمين لترقى بهم إلى درجة الوعي والإدراك وحل المشكلات ووضع الحلول، وتطوير الإبداع، والتحقق، والتدبر، والتفاعل مع المقروء تفاعلًا إيجابيًا بناءً، وهناك ما يشير إلى أن القراءة هي المدخل الحقيقي لتنمية التفكير في مستوياته العليا.
استدعاء الخبرات
القارئ في محاولاته إعادة صياغة الأفكار، وتقديم آرائه حول مضامين ما يقرأ ينفذ عملية تفكير تستدعي الخبرات المخزونة، وإجراء تفاعلات ملموسة لتوليد أفكار وحلول ربما لا تكون مألوفة أحيانًا، وهو ما يؤدي إلى تطوير القدرة الذهنية لديه، ويزيد من كفاءته في التعامل مع النص حينما تتوافر له فرصة الحوار والمناقشة مع أقرانه في مواقف التعليم الصفية.
إذًا التفكير الإبداعي نشاط عقلي مركب وهادف توجهه رغبة قوية في البحث عن حلول، أو التوصل إلى نواتج أصلية لم تكن معروفة سابقًا، ويتميز بالشمولية والتعقيد، لأنه ينطوي على عناصر معرفية وانفعالية وأخلاقية متداخلة تشكل حالة ذهنية فريدة.
ومما يعزز تنمية القدرة على التفكير الإبداعي لدى الطلبة تزويدهم بالخيارات والبدائل، وتوجيههم نحو تقبل الأفكار المختلفة، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم.
الرأي والحقيقة
القارئ الناقد بالضرورة قارئ متفاعل، مشارك نشيط، متفتح الذهن نحو الأفكار الجديدة، وليس متلقيًا سلبيًا، يفرق بين الرأي والحقيقة، يحلل الأشياء تحليلًا سببيًا وموضوعيًا، ويتوخى الدقة في تحليلاته وتعبيراته اللفظية، يتعامل مع الموقف المعقد بطريقة منظمة، مستخدمًا مصادر علمية موثوقة، يتجنب الإفراط في التبسيط، ويعرف المشكلة بوضوح، فهو يطرح الأسئلة ويؤكد نقاطًا معينة، وهو بالتالي مفكر ناقد يستخدم معتقداته وقيمه وتجاربه ومعرفته وخبراته السابقة في عملية التفكير.
يقرأ القراء الناقدون ما بين السطور، وما وراء السطور بشكل نشط وإيجابي، فهم يمتلكون الدافعية والمرونة، والخبرة الكافية لتطوير المعايير للحكم على مصداقية المواد المقروءة، وقيمتها.
ويمكن القول أن القراءة الإبداعية ما هي إلا ترجمة للتفكير الإبداعي، إذ إنها تساعد الفرد في تحقيق رؤى جديدة بوساطة تأهيل الفرد لتقييم فرضية ما أو التوصل إلى استنتاج معين.
التحرر من التبعية
يسهم التفكير الناقد في تحرير الفرد من التبعية للآخرين واستقلالية الرأي، وتمكنه من استخدام معمق لقدراته الفكرية، وتمنحه القدرة على «المحاكمة المنطقية»، وتقييم المواقف، ومهارة التمييز بين الصواب والخطأ، وهو الذي يمكن الإنسان من استخدام مهاراته العقلية من الوصول إلى تحقيق تفكير يمتاز بالوضوح والدقة والمرونة والفاعلية المنطقية والحوارية، إذ يعد التفكير الناقد من متطلبات القدرة على التفكير الإبداعي.
استخدام استراتيجيات تعليمية فاعلة تكسب المتعلم تعلمًا مستمرًا، وتسهم في إعداده للمستقبل، بحيث يصبح قادرًا على الحصول على المعلومات المناسبة وتقييمها وتطبيقها، واستخدامها في صنع القرارات وإصدار الأحكام، إن التفكير الناقد يؤدي دورًا مهمًا في إحداث النهضة الفكرية والثقافية، وينمي لدى الأفراد طابع الإبداع بعيدًا من الآلية والتقليد، فإذا لم يتوفر للفرد القدرة علي اتخاذ القرار السليم والمناسب، أو إصدار الحكم الصحيح، فإنه يقع فريسة للحلول الخاطئة والإحباط والتسطح في التفكير، ويصبح دوره مقصورًا على تقبل الأوضاع القائمة تقبلًا سلبيًا خاليًا من التبصر أو تقويم الأحداث.
التفكير الناقد والتربية الحديثة
يعد التفكير الناقد هدفًا أساسيًا من أهداف التربية المعاصرة في معظم دول العالم، إذ يجمع التربويون على أن هدف التربية الأسمى وغاية المناهج الرئيسة في هذا القرن تنمية التفكير الناقد والإبداعي لدى الطلبة، إذ أصبح التفكير الناقد يشغل حيزًا واسعًا من الأهداف الأولية للتربية.
يعرّف التربويون التفكير الناقد، بأنه القدرة على تقويم المعلومات وفحص الآراء مع الأخذ بالحسبان الآراء المختلفة، ويرى آخرون أَنَّ التفكير الناقد مهارة تمييز الفرضيات والتعميمات في الحقائق والادعاءات والمعلومات المنقحة والمعلومات غير المنقحة، في حين يرى أصحاب رأي ثالث أنه تقدير حقيقة المعرفة ووقتها والحكم على المعلومات المستندة إلى مصادر معقولة وفحص الأمور في ضوء الدليل، ومقارنة الحوادث والأخبار ثم الاستنتاج.
لذلك فإن إعداد وتوافر برامج عدة لتفعيل التفكير الناقد وتنميته من أهم أهداف التربية الحديثة، فنحن في عصر تعليم الطلاب كيف يفكرون وكيف يستدلون، وكيف يواجهون مشكلات حياتهم، وأن يستفيدوا من مصادر التكنولوجيا في تنمية مهارات التفكير، لذا يدعو التربويون إلى ضرورة تطبيق برامج مهارات التفكير ضمن المناهج التربوية الدراسية، حتى يكتسب الطلاب الجانب التطبيقي والعملي، وأن تساعد في تطور المهارات التفكيرية لديهم، بأن يصبحوا أكثر دقة، وتقبلًا لوجهات نظر الآخرين، والبحث عن الأدلة والتقييم.
نسيج متكامل
دلت الكثير من الدراسات إلى وجود ارتباط قوي بين التفكير الناقد والتفكير الإبداعي، إذ إن عمليات التفكير الناقد والإبداعي تشكل نسيجًا متكاملًا من القدرات والمعارف والقيم والاتجاهات والمهارات والعمليات، والمدرسة هي المؤسسة الفاعلة التي تقع عليها مسؤولية تنمية التفكير وتطويره بأبعاده المختلفة مع إعطاء الطالب الفرصة لممارسة مهارات التفكير الناقد بفاعلية.
الإبداع ليس موهبة موروثة
وأكد «دي بونو» De Bono أن الإبداع عملية يمكن تعلمها والتدرب عليها، كما أن الإبداع ليس موهبة موروثة بل إنه من الممكن أن ينمى كما تنمي أية مهارة من مهارات التفكير.
وكذلك يكون ضرر التعليم دون فكر نقدي أكثر من نفعه، لأنه يوسع دائرة المسلمات ويرسخ السائد، ويولد لدى الدارسين عادات التلقي والقبول الروتيني دون مناقشة أو تفكير، فيبقون تابعين منقادين وغير قادرين على التفكير المستقل والاختيار الحر، وفي غياب مثل هذه المنظومة القائمة على القدرات النقدية فإن كل جيل سيضيف أخطاء جديدة إلى الجيل الآخر وتظل الأجيال تتوارث هذا الركام من الأخطاء، وبذلك تتأخر الإنسانية وتتراجع.
لقد انطلقت اليابان الجديدة من نظرية عملية واضحة وغير معقدة، تقول إن الإنسان الحر المنطلق المزود بالعلوم العصرية والتكنولوجية المتطورة هو الوحيد القادر على إحداث تنمية مستدامة، فالفرد الحر المبدع هو رأس المال الأهم في زمن العولمة والتحولات العلمية المتسارعة في الألفية الثالثة.
تعد الحاجة إلى التفكير الناقد ماسة، خصوصًا مع تطور الحياة وتقدمها وتعقيدها وارتفاع مستوياتها، الأمر الذي يمكن القول معه أن لهذه التداعيات آثارًا سلبية على الكثير من المتغيرات النفسية لدى الطلاب كالدافعية للإنجاز، والتوافق النفسي، وقدراتهم على التفكير، فكلما زاد توتر الأفراد قلت قدرتهم على التفكير، وانخفضت دافعيتهم للإنجاز، الأمر الذي يتطلب معه أن تتوفر مستويات عقلية وأنماط من التفكير الناقد أكثر رقيا من قبل.
من المقلّد إلى المبدع
تؤكد الأبحاث أن التربية الإبداعية هي السبيل لتجاوز التخلف ودخول عصر الثورة العلمية والتكنولوجية، ورهاننا يتشكل في أن تفجر التربية في عقل الفرد العربي قوى الابتكار وطاقات الإبداع، لأننا لن نكون متقدمين إلا بقدر ما نكون مبدعين، وقوة وجودنا هي في أن تعمل التربية بشكل جاد لتحول الإنسان العربي من كائن مقلد إلى فاعل مبدع.
كما أشارت بعض الدراسات التي طبقت على الأشخاص المبدعين المميزين إلى أن الإبداع مرتبط بعدد من الصفات النفسية، وهذه الصفات شرط مسبق للإبداع، بينما أشار بعضها الآخر إلى أن الأشخاص غير المبدعين يتصفون بضيق الأفق والجمود.
وتبقى الحاجة قائمة دومًا إلى موجهين ومعلمين ومرشدين تربويين ومختصين أكفاء لتوجيه الطلاب نحو الحس الإبداعي وتنمية الموهبة الفنية، وإعطائهم الفرصة للإبداع والابتكار والنقد.
لابد من تنمية التفكير الناقد باعتباره هدفًا ومطلبًا تربويًا للطالب بشكل عام، والطالب المعلم بشكل خاص، ولذا أصبح من الضروري بناء برامج لتنمية مهارات التفكير الناقد للطلاب المعلمين، من منطلق أنهم يمثلون معلمي الغد.
التفكير الناقد؟
التفكير الناقد عملية تفكيرية مركبة، يتم فيها إخضاع فكرة ما للتحقق، بناء على جمع الأدلة والشواهد بموضوعية، ومن ثم إصدار حكم بقبولها أو رفضها اعتمادًا على معايير أو قيم معينة، لأن التفكير الناقد يمثل قدرة الفرد على إبداء الرأي المؤيد أو المعارض في المواقف المختلفة، مع إبداء الأسباب المقنعة لكل رأي، أي أنه تفكير تأملي يهدف إلى إصدار حكم أو إبداء رأي، ويكفي هنا أن يكون الفرد صاحب رأي في القضايا المطروحة.
إذ إنه كلما كانت قدرة الفرد على التفكير بشكل أفضل، زادت فرص نجاحه وفعاليته في المجتمع، الأمر الذي جعل الأنظمة العالمية تنادي بتدريس التفكير الناقد الذي يرفع قدرة المتعلمين على استيعاب المعرفة والتعامل معها، فتدريس التفكير الناقد يثير دافعية المتعلم، وينتج لنا معلمين إيجابيين لديهم القدرة علي إنتاج معرفة جديدة ورغبة ذاتية دافعة للبحث عن المعرفة وإكسابها.
ربط - تغيير - تحليل - مقارنة
يرى الكثير من الخبراء والمهتمين في المجال التربوي أن المطلوب الآن تعليم من نوع جديد، تعليم يحقق للمتعلم أن يكون قادرًا على استخدام عمليات التفكير الناقد في تحويل المعلومات العلمية إلى معنى يستخدمه لمجابهة جميع القضايا والمشكلات التي تتحداه، وتوظيف المعرفة وتسخيرها لخدمة المجتمع، فالتعليم اليوم أصبح تعليمًا من أجل تنمية التفكير، خصوصًا التفكير الناقد.
يؤكد علماء النفس أهمية التفكير الناقد في رفع مستوى الطلبة على الإبداع وامتلاكهم لمهارات حل المشكلات أو غيرها من أنواع التفكير، التي تساعد التلميذ في أن يفهم الأزمات المعقدة في الحياة، وطريقًا لإدراك العالم وتفهم المواضيع بصورة أعمق وأدق مع الاحتفاظ بالمعلومات لمدة أطول، ومن هنا فإن علماء التربية والنفس أدركوا تمامًا أن هناك علاقة وثيقة بين المعايير والمحاكمة العقلية والتفكير الناقد، فالتفكير الناقد هو تفكير ماهر، والمهارات نفسها لا يمكن أن تعرف من دون معايير يمكن بفضلها تقييم الأدوات الماهرة، وهكذا فإن التفكير الناقد يمكن أن يستخدم المعايير ويمكن أن يحتكم إليها، إذًا هو التفكير المنطقي التأملي الذي يركز على اتخاذ قرار حول ما يعتقده الفرد أو يعمله.
وينمي هذا النوع من التفكير القدرة على التساؤل الذي يعتبر قدرة عقلية هامة تحوي داخلها الكثير من القدرات مثل «الربط - التغيير - التحليل - المقارنة» التي هي في حقيقتها مهارات التفكير الناقد، إذ إن التفكير الناقد يسهم في تكوين نمط الشخصية الذي يتسم بالذكاء في مواجهة مشكلات الحياة المعقدة والاعتماد على النفس وتحري الحقائق.
ومما لاشك فيه أن التقدم العلمي والتكنولوجي رهن بالتقدم الفكري وليس المعرفي وحده، والتقدم الفكري هو حصيلة لأعمال العقل والتنور بما يؤدي إلى الإبداع والابتكار وحسن التدبير، إذ لم يعد دور الإنسان في هذا العصر محصورًا في التكيف مع الواقع، وإنما يتعداه إلى ضرورة تغيير هذا الواقع بما يتناسب مع تطلعاته اللا محدودة.
فالتفكير لا ينمو دون مقدمات وعلى المربين مراعاة المتعلم ومساعدته في اكتساب المعارف والمهارات والمعلومات التي تشكل له الخلفية العلمية اللازمة، بطريقة تجعله يبحث ويدقق ويتمحص في سبيل تشغيل قدراته العقلية وتطويرها، فبدلًا من أن يكون منفعلًا ومتلقيًا سلبيًا للمعلومات عليه أن يكون فاعلًا نشطًا إيجابيًا ومؤثرًا في العملية التربوية، وهذا من أهداف العملية التربوية التي تسعى بكل الوسائل من أجل تنمية القدرات التفكيرية عند الطلاب وعلى رأسها التفكير الإبداعي والناقد وذلك بخلق جو من الأنشطة المدرسية المحفزة للطلاب وكذلك خلق بيئة تعليمية يكون للمتعلم الدور الفعّال فيها، وهو ما يعد من أبرز الأولويات في العصر الحديث لجميع دول العالم، نظرًا لأهميتها في تقدم الدول ورقيها، وكذلك لأنها الأداة لحل المشكلات المختلفة التي تتحدى حاضر الإنسانية ومستقبلها.
يتضح مما سبق أن الهدف الأساسي من تعليم التفكير الناقد «تحسين مهارات التفكير لدى الطلبة التي تمكنهم من النجاح في مختلف جوانب حياتهم، ليتمكن الطالب من مواجهة تحديات الحياة بكل ثقة, وعليه يجب أن يكون الطلبة مستعدين لممارسة التفكير بصفة عامة، والتفكير الناقد والإبداعي بصفة خاصة، عبر جمع وتقييم المعلومات التي يحصلون عليها، حتى يتمكنوا فيما بعد من حل المشكلات الحقيقة التي تجابههم، ولصقل قدرتهم على صناعة القرار بطريقة فعالة والتحرر من التبعية الفكرية.
فرصة لتكاثر أنماط التعلم
لعل استخدام الحاسوب يعطي نوعًا من البصيرة للمتعلم باستخدامه أداة للإدراك والتفكير، وتشير بعض الدراسات إلى أن التعليم الإلكتروني يتيح المجال للمهمات ذات النهايات المفتوحة، وهذا بدوره يوفر الفرص لتكاثر أنماط التعلم، ولتحقيق مستويات أفضل من الإنجاز.
وغالبًا ما يتم تقديم مهمات عدة ويختار الطالب المهمة التي يرغب في متابعتها، وكلما أصبح الطلبة خبراء في استخدام معدات الكمبيوتر شعروا بحرية أكبر ليصبحوا أكثر إبداعًا، وكلما تنوعت مصادر المعلومات والخبرة تزداد قدرتهم على اختيار الموارد والأنشطة الأكثر ملاءمة لقدراتهم، فمهارة التدريس التي تشجع على الإبداع يجب أن تكون مزيجًا من نشاطات منظمة توازن بين عناصر المنهاج من أهداف ومحتوى وأساليب وأنشطة وتقويم، وبين مهارات وقدرات المدرس، كما أن وجود الحوافز أمر مهم أمام الطلبة لتحريك قدراتهم وتوجيهها نحو العمليات الإبداعية.
دور التقنيات الحديثة
في تنمية مهارات التفكير
يزداد الطلب يومًا بعد يوم في جميع النظم التعليمية المنتشرة في مختلف دول العالم على استخدام التقنيات الجديدة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في تعليم الطلبة المعارف والمهارات التي يحتاجونها في القرن الحادي والعشرين.
وأضحى الحاسوب والإنترنت في السنوات الأخيرة من المصادر الرئيسة للاتصال ونقل المعلومات بشكل سريع، لذا تعد الأدوات التكنولوجية المتطورة مصدر قوة في المجتمع لتطوير المهارات العقلية وإظهار قدرات الأفراد وإبداعاتهم، وتغيير طريقة التفكير لديهم مع إعطائهم أفكارًا جديدة.
وقدم التقرير الدولي للتعليم الصادر عن هيئة اليونسكو 1998م، وصفًا للتأثيرات الجوهرية التي يمكن أن تلعبها التكنولوجيا في تطوير أساليب التعليم والتدريس التقليدية، وللاستفادة من إمكانات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة في مجال تنمية مهارات التفكير عند الطلاب، الأمر الذي استدعى الاهتمام بالشروط الأساسية التالية:
1- إتاحة الفرصة للمعلمين والطلبة للوصول إلى الأدوات الرقمية والتكنولوجية والإنترنت للاستفادة منها في الفصول والمدارس والمعاهد.
2- أن يتوفر لكل من الدارسين والمعلمين على حد سواء محتوى على درجة عالية من الجودة والوضوح والتفاعل الثقافي.
3- توفر المعرفة والمهارات اللازمة لاستخدام الأدوات والمصادر الرقمية الجديدة من أجل مساعدة جميع الطلبة في تحقيق معايير أكاديمية عالية.
وللاستفادة القصوى من وسائل التكنولوجيا والاتصالات في تطوير التعليم يتحتم إثراء المتعلمين والمعلمين بكفاءات ومهارات خاصة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات ووضع برامج تأهيل وتدريب، وإنشاء أدوات تعليمية وعلوم جديدة في أصول التدريس، إضافة إلى وضع برامج تعليمية خاصة لتوفير توجيهات محددة للاستغلال الأمثل للتكنولوجيا الحديثة في إطار الثقافة والاحتياجات والظروف الاقتصادية وتطوير استراتيجيات وخطط العملية التعليمية لتتناسب مع التطور التكنولوجي الحاصل في العالم، ورصد الإمكانات المادية اللازمة لذلك مع تعاون المؤسسات الخاصة والعامة بعضها مع بعض لخدمة الوظيفة التربوية التي ستنهض بالمجتمع في جميع وظائفه.

 


علماء الدين‏:‏ إستجابة الحاكم لمطالب المحكومين‏..‏ واجب شرعي
حسني كمال
صحيفة الأهرام المصرية
امتلأت الميادين في ربوع مصر بين مؤيد ومعارض‏,‏ وانقسم الرأي العام بين مطالب بانتخابات رئاسية ومدافع عن الشرعية‏.‏ وسادت حالة من الانقسام الحاد لم يعرفها المجتمع المصري من قبل‏.‏
علماء الدين يؤكدون أن العلاقة بين الحاكم والمحكومين ينظمها عقد شرعي, وليست عقدا أبديا, وان نزول الحاكم علي مطالب المحكومين ضرورة شرعية حقنا للدماء وحفاظا علي أمن واستقرار المجتمع, ولكنهم في كل الأحوال يطالبون الجميع بالحفاظ علي مقدرات الوطن والجلوس إلي مائدة الحوار.
ويؤكد الدكتور محمد الشحات الجندي, أستاذ الشريعة وعضو مجمع البحوث الإسلامية, حق الجماهير أن تسائل الحاكم وتحاسبه, علي أساس أن هناك عقدا بين الحاكم والمحكومين, فإذا التزم الحاكم بتنفيذ إرادة المحكومين وحقق المصلحة العامة وسير أمور الرعية وفقا لما يتحقق به مصالح الناس, وتيسير سبل معايشهم والوفاء باحتياجاتهم, فإنه يكون في هذه الحالة قد أوفي بواجبه تجاههم وفقا لحديث الرسول صلي الله عليه وسلم كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته, فالحاكم راع ومسئول عن رعيته... الخ, وبموجب ذلك فإن من حق المحكومين أن يراقبوا تصرفات الحاكم ويحاسبوه عن هذه التصرفات, لأن الحاكم إذا كان من حقه أن يمارس سلطة علي الرعية ويجب عليهم طاعته, فإنه في المقابل من حق الرعية محاسبته وتقويمه.
دفع الضرر عن الرعية
وأضاف الدكتور الشحات الجندي قائلا: إذا لم يلتزم الحاكم بدفع الضرر عن الرعية ولم يحقق مصالحهم المشروعة مثل تحسين مستويات المعيشة وتحقيق الأمن والسلام الاجتماعي والنهوض بمتطلبات الرعية ومنع كل ما يضر بهم ولم يقم بإشراك الرعية في إدارة شئون الحكم, فإنه يكون قد أخل بواجب شرعي, وذلك لقول الله تعالي-: وشاورهم في الأمر وقوله أيضا وأمرهم شوري بينهم مما يستوجب مشاورة الرعية وحقهم في التعبير عن أرائهم وعن تدبير شئون حياتهم مصداقا للحديث الشريف: الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله؟ قال لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم لذلك فإن إقصاء الحاكم لقطاع كبير من الرعية وانحيازه لفئة أو جماعة بعينها يكون مستوجبا لنصيحته ولفت انتباهه إلي حقهم في ممارسة دورهم في شئون المجتمع فإذا لم يستجب لمطالبهم ولم يعر اهتماما بمصالحهم مما ترتب عليه إلحاق الضرر بهم وثبت عدم اكتراثه باحتياجاتهم وضروريات حياتهم, فإنه يجوز لهم أن يطلبوا منه التنحي عن السلطة بمن هو أجدر وأكفأ علي تحقيق مصالحهم علي أن يتم ذلك بطريقة لا تؤدي إلي إراقة الدماء, وإتلاف الممتلكات, وتخريب المنشآت عامة أو خاصة, تطبيقا للقاعدة الشرعية:ارتكاب أخف الضررين وأهون الشرين والمهم أن يتحقق ذلك بطريقة سلمية, وبما يمكن معه تغيير الحاكم بطريقة آمنة لا تلحق الضرر بالبلاد والعباد.
وأكد الدكتور الشحات الجندي, أن الحاكم يجب أن يلتزم بتحقيق المطالب المشروعة التي يعود أثرها بالخير والمصلحة علي المجتمع.
الشعب مصدر السلطات
ويقول الدكتور عبد الوارث عثمان, أستاذ الشريعة والقانون بجامعة الأزهر, أنه من المعلوم إسلاميا أن الشعب هو مصدر السلطة وهو الذي يختار حاكمه فعلي الرغم من أن الرسول صلي الله عليه وسلم وهو الحاكم الأول للأمة قد توفي وليست له إلا وصايا كان قد عرفها بعض الصحابة وجهلها البعض الآخر, فكانت بمثابة ومضات تهدي الصحابة إلي اختيار الخليفة الأول أبو بكر الصديق وهي الفيصل في اختياره, كان هو وجموع الصحابة رضي الله عنهم وكان من بعده عمر الذي جاء بإرادة الصحابة واختيارهم ومع ذلك كان يناقش في أحكامه, ويتحاورون معه في قراراته, والدليل علي ذلك أنه أراد يوما أن يحدد مهور الزوجات بعدما تغالت الناس فيها فوقفت امرأة وعارضته في ذلك وردت عليه قراره فقالت له يا عمر أتريد أن تحدد ما جعله الله عاما, وقد قال الله تعالي: وإن آتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا... فرجع عمر إلي الصواب وقال: كل الناس تفقهت في الدين حتي النساء, إلا عمر, يا ليت أم عمر ما ولدت عمر, وهذا هو المثال الأكبر في جواز تصويب أخطاء الحاكم, وليس له طاعة مطلقة, وإنما الطاعة في الصواب دون الخطأ, فهو الذي قال أطيعوني ما أطعت الله فيكم, فإن عصيته فقوموني بسيوفكم بل أن الرسول صلي الله عليه وسلم- قالها واضحة جلية لا تخفي علي أحد: إن الطاعة في المعروف فمن عصي الله فلا سمع له ولا طاعة, والحاكمية في الإسلام ليست علي سبيل أن يكون الحكم مؤبدا, لأن الإسلام نهي عن ذلك فالقاعدة الحاكمية لا تؤبد في الإسلام حتي لا تتعارض مع حاكمية الله في الأرض, إذن الحاكم في الأرض هو حاكم مؤقت, يحكم بعقد مؤقت بينه وبين المحكومين.
ويؤكد الدكتور عبدالوارث أن شروط هذا العقد هو طاعة الحاكم لله تعالي وسهره من أجل تحقيق المصلحة العامة وإلا فغيره أولي, فالأساس في وجود الحاكم في الدولة الإسلامية هو مصلحة الناس, فإن عمل علي مصلحة الناس, وتحقيق منافعهم العامة, فإن عقده سار, فإن أخل بتلك الشروط وانفرط عقده, أصبح العقد مفسوخا من تلقاء نفسه, والحاكم الذي يراعي الله ويراقبه لا يجد غضاضة في الرجوع عن قراره, بل وتخليه عن مكانته في سبيل المصلحة العامة وحقنا لدماء المسلمين.
لا للفوضي
أما الدكتور جعفر عبدالسلام أستاذ القانون الدولي بجامعة الأزهر, فله رأي مخالف, ويقول: أن الشعب حينما يقول للرئيس: أرحل.. ثم يرحل فهذه مسألة فوضوية, ويجب إتباع أحكام القانون في تقرير مسئولية الرئيس, لأننا نعيش في دولة بها دستور فهذه ليست طريقة نعامل بها من جاء عن طريق الانتخابات, أما فيما يتصل بمدة الحاكم فهي مسألة يحددها دستور كل دولة, وعندنا أربع سنوات, من الناحية الدستورية, لا يجوز أن ينحي الرئيس قبل هذه المدة, لكن الفقه الدستوري, وكذلك الفقه الإسلامي يعترف بوجوب حق الشعب في مقاومة الحاكم الجائر إذا خرج علي مقتضيات الدستور أو القانون, فإن من حق الشعب أن يقاومه, وأساس هذا في الفقه الإسلامي ما حدث عندما ولي أبو بكر وعمر حيث قال أبو بكر: إنما وليت عليكم ولست بخيركم, فإن وجدتم في اعوجاجا فقوموني, فقام إليه نفر من المسلمين, وقال يا أمير المؤمنين والله لو وجدنا اعوجاجا لقومناك بسيوفنا, فسكت المسلمون ولم يعترض أحد واتخذ بشأن ذلك قاعدة فقهية تقول: من حق المسلمين مقاومة الحاكم الجائر وهناك قاعدة تقول: ليس سلطان الحاكم مطلقا, وإنما هو مقيد بقيود الشريعة, ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, ولفقه السياسة الشرعية شروح طويلة في هذا الشأن حول: ما هو الخروج الذي يعطي للمحكومين حق الخروج علي الحاكم.. وهل يشترط الكفر؟ أم عدم أداء العبادات؟, فهناك أقوال فقهية كثيرة في هذا الشأن إذن من الناحية الدستورية فإن الدساتير تقر مسئولية الحاكم إذا ما خالف الدستور أو القانون الذي يقسم علي احترامه, وذلك أثناء توليه الحكم, فإذا خالف النصوص, فإن الدساتير عادة تجد لمحاسبته قرارا كما كان علي سبيل المثال في قرار الاتهام بجريمة الخيانة العظمي فكان يجب أن يكون الاتهام فيها من قبل ثلث أعضاء مجلس النواب, وتشكل محكمة خاصة نص عليها الدستور لمحاكمة الرئيس, كما أن هناك مسئولية سياسية للرئيس يمكن لمجلس النواب أن يحاسبه عليها في حالة انتهاك سياسات تخالف سياسة الدولة, أو تؤثر علي أمن وسياسة البلاد, فيستطيع مجلس النواب أن يحاسبه سياسيا ويجبره علي تقديم الاستقالة, لكن دولة بها دستور فلا توجد طريقة أن يقول له الشعب ارحل فيرحل ولذلك يجب اتباع أحكام القانون في تقرير مسئولية الرئيس,
الضوابط الشرعية للثورات
ويؤكد الدكتور جعفر عبد السلام, أن ما يسمي الشرعية الثورية والتي ليس لها ضوابط قانونية, فهي تعني أن يقوم الشعب بالثورة علي الحاكم والثورات بطبيعتها لا تخضع للدساتير أو القوانين كما حدث معنا يوم25 يناير فهي كانت ثورة, إنما نحن الآن في ظل نظام دستوري وقانوني قائم يجب تفعيله, لأننا نتمسك بالشرعية الدستورية وليست الشرعية الثورية.


أرسل تعليقاتك
شروط الإستخدام
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.
الإنضمام إلينا على فيس بوك Copyright © 2012 - ISLAM MOUASER. All Rights Reserved
Islam