12345
مستقبل الحركة الإسلامية في مصر: الهجرة إلى المجتمع
إسم الكاتب: محمد كمال: باحث ومترجم مصري
التاريخ: ١٥/٨/٢٠١٣

وقعت الحركة الإسلامية في مصر منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير في عدة أخطاء، وفي تصوري أن أهم هذه الأخطاء هو سعيها لتحويل رصيدها الاجتماعي  إلى رأسمال سياسي  في بيئة داخلية وإقليمية ودولية غير مرحبة بها على الأقل إن لم تكن معادية لها.

 والنتيجة حتى الآن خسارة تلك الحركة مكاسبها السياسية بعد الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013. ولا تقتصر هذه الخسائر على عزل رئيس مدني منتخب من صفوف تلك الحركة وتعطيل الدستور وحل مجلس الشورى ذي الأغلبية الإسلامية، بل تمتد إلى إمكانية حظر الأحزاب الدينية أو ذات المرجعية الدينية وهو ما يعني حل حوالى 12 حزب ذي مرجعية أسلامية على رأسها حزبي الحرية والعدالة الذي أسسه الأخوان المسلمون وحزب البناء والتنمية الذي أنشئته الجماعة الإسلامية.

 الأدهى من هذه الخسائر السياسية هو وجود مؤشرات لتراجع رصيدها الاجتماعي نتيجة للشحن الإعلامي المضاد للحركة الإسلامية ووصفها بالعنف والإرهاب. تلك الحمالات التي تعمل بلا كلل في اليوم عبر التليفزيون المصري الرسمي بكل قنواته والقنوات الفضائية الخاصة والصحف الحكومية والخاصة، بالإضافة إلى فشل الإعلام المنتمي للحركة الإسلامية نتيجة قلة الخبرة والتمويل وتشتت الخطاب.

استثمرت الحركة رصيدها الاجتماعي الذي راكمته عبر عقود من الخدمات في مجال الصحة والتعليم والإغاثة لقطاعات كبيرة من المجتمع خصوصاً الطبقتين الدنيا والوسطى في الوصول إلى السلطة سواء في الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية.

 وأذكر أنني قلت لأحد الزملاء المنتمين لجماعة الأخوان المسلمين قبل انتخابات نوفمبر وديسمبر 2011 أن هزيمتهم السياسية؛ أي عدم حصولهم على الأغلبية في تلك الانتخابات، مفيد للبلاد والعباد وللجماعة ذاتها وربما الإسلام، ولم يعجبه كلامي.

ودون إدعاء الحكمة بأثر رجعي، ولأني كنت أتمنى أن تخطأ توقعاتي، وتنجح الحركة الإسلامية التي تسلمت السلطة في المرور من المشاكل الاقتصادية والأمنية التي واجهت مصر بعد ثورة 25 يناير، فإنه من المهم التدبر فيما جرى واستخلاص الدروس لتكمل الحركة الإسلامية في مصر طريقها مع مجتمعها.

   وأتصور أن لا أحد يعلم إلى ما ستتجه الأمور في مصر، فيلطف الله بنا جميعا، وأتصور أن جزء مما يحدث هو لعبة العض على الأصابع والنفس الطويل. فكل طرف يريد أن يظهر بمظهر القوي الذي لن يتنازل عن سقف مطالبه ليبدو أي تنازل لو ضئيل شيء عظيم وحلحلة للوضع.

  كما فض الاعتصامات في ميداني رابعة العدوية والنهضة بالقوة سينجم عنه خسائر كبيرة، والنظام بالفعل اكتسب عداوات وثأر في معظم قرى مصر حيث يتوزع الضحايا والمصابين على معظم القرى والمدن المصرية.

أما غلاة العلمنة  فيريدون هزيمة الحركة الإسلامية إن لم يكن الإسلام نفسه، يريدون نصراً حاسماً ونهائياً على صعيد الشارع والدستور: إلغاء الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، القضاء على الدور الاجتماعي للحركة الإسلامية في الصحة والتعليم، التضييق على اللحية والنقاب وفيما بعد الحجاب. كل ذلك يدفع عامة المتدينين لمراجعة مواقفهم، فالأمر لا يتعلق بالإخوان، بل عند معظمهم بالإسلام.

أظن أنه سيصار إلى حل وسط لا يكون فيه مرسي مع ضمان عدم إلغاءأحزاب الحركة الإسلامية. وسواء بقيت الأحزاب أم لم تبق فإن أمام الحركة الإسلامية مهمة كبيرة وهي العودة للمجتمع بالهجرة إليه. وأظن أن الرؤية الجامعة لهذه العودة والهجرة هي العمران مهمة الإنسان في الأرض بعد أن استخلفه الله فيها.

قد يقول قائل أن الحركة لم تترك المجتمع لتعود أو تهاجر إليه. لكن المستمع لأحاديث الناس في المواصلات العامة وفي المقاهي يدرك مدى اهتزاز صورة الحركة في الشارع. بالطبع جزء من هذا الاهتزاز راجع للحملات الإعلامية الممنهجة والتي تشارك فيها صحف قومية وخاصة والتلفزيون الرسمي والفضائيات الخاصة وكأنهم يقرأون من نص واحد أعده جهاز للتضليل الإعلامي. لكن من الصحيح أيضًا أن الوصول للسلطة وإن لم يستمر لأكثر من عام وكان وصولا مظهريا فقط، فمازال الوضع في مصر كما هو؛ فالسلطة في يد أصحابها القدامى: قيادات الجيش والداخلية والبيروقراطية، هذا الوصول الظاهري لم يحقق للمجتمع ما توقعه من الحركة الإسلامية وما وعدته به في إطار ثورة التوقعات والوعود.

 والهجرة للمجتمع تعني التركيز على مشاكل المجتمع بدون النظر لمكسب سياسي قريب أو حتى بعيد، كما تعني ترميم العلاقة معه بمعظم تكويناته وفئاته وتجديدها.

وللحركة الإسلامية في مصر تاريخ طويل في تقديم الخدمات الاجتماعية من صحة  في العيادات الصحية الشعبية التي تقدم علاجًا جيدا ذو سعر منخفض يغني كثير من الناس عن المستشفيات الحكومية ذات الحالة المتردية، وكذا التعليم سواء في مدارس إسلامية وحتى إن كان مضيق عليها، إلا أنه لا يمر عام وإلا ويكون من ضمن المتفوقين على مستوى الجمهورية طالب أو إثنين من هذه المدارس. هذا الجانب يحتاج إلى الاستمرار مع الأخذ في الاعتبار أنه سيتعرض للتضييق من جانب الحكومة والريبة من جانب بعض الأهالي إلا أن الحالة الاقتصادية المتدهورة في مصر لن تسمح للحكومة بمنعها بالكلية لأن هذه الخدمات تحل بديلا عن الخدمات الصحية والتعليمية الحكومية مما يخف عن كاهل الدولة.

  ومن أهم مداخل الهجرة للمجتمع والعودة إليه، الاهتمام بفئات ليست محل اهتمام تقليدي من الحركة الإسلامية: العمال والفلاحين. يلاحظ الناظر في الصور التي تنقلها قلة من الفضائيات للأعتصامات أن أساسها يتمثل في الطبقة دون المتوسطة من العمال والفلاحين يضاف إليهم صغار الموظفين. هذه الفئات لم تلق الاهتمام على الجانب النظري والعملي من الحركة الإسلامية، فهناك ندرة في الكتابات التي تهتم بحقوقهم وتتناول كيفية النهوض بحالهم. وقد يرجع ذلك في حالة العمال لأنهم المستهدفين التقليدين من جانب اليسار، وأن الحركة الإسلامية لم تطور خطابًا متماسكا بشأنهم عبر القرن الماضي، لكن ذلك لا يعني عدم البدء في تلك العملية التي ستستغرق وقتا وجهداً كبيرا. وعلى الجانب العملي، لا ننكر وجود عدد كبير كما قلنا من فئتي العمال والفلاحين في صفوف الحركة الإسلامية، لكن لنا أن نتسائل عن موضعهم من القيادة والمشاركة في اتخاذ القرار الذين يتحملون هم الجزء الأكبر من تبعاته.

  يضاف لجملة ما سبق، تطوير التعامل مع طلاب الجامعات، الرصيد الطبيعي والتقليدي للحركة الإسلامية في مصر، في ظل ما يتوقع من تضييق بل وتقييد لها في الجامعات، مع وجود تيارات يسارية وليبرالية نشطة في جامعات العاصمة والوجه البحري على الأقل. ولا ضير في هذا النشاط لو كان سيتم في إطار التنافس المفتوح، لكن الأمور تنبئ بأن هذه التيارات ستستغل ظروف التقييد والتضييق في مهاجمة الحركة الإسلامية مدعومة بالسلطة. ويعد تلبية الاحتياجات المعرفية والفكرية لقطاع عريض من الشباب في ظل سعار الاستهلاك والشهوات في هذه المرحلة العمرية الحرجة مدخلا جيدا لطلاب الجامعات وبخاصة أن تم ذلك بعمق ورصانة وبساطة في آن واحد وهذا أمر يحتاج لجهود دؤوبة هادئة.

 أما بالنسبة للفئات المتوسطة وفوق المتوسطة التي تخشى على  ما تعتبره نمط وأسلوب حياتها الذي ألفته ولا تعادي الإسلام كعقيدة وعبادات، فإنه من المفيد الاقتراب الهادئ منها وبيان أن تجربة السنة الماضية لم تقترب من هذا النمط بالمنع أو التهديد بالمنع، مع الاعتراف بمخالفة جزء منه لمقاصد وأحكام الإسلام، في حين أن حرية التعبير والتجمع والتظاهر والحريات الشخصية لم تُمس. ويمكن استخدام صحف ومجلات باللغتين الإنجليزية والفرنسية في المساهمة في بناء الثقة بين الحركة الإسلامية وهاتين الفئتين اللتان تشعران بالتميز ويفضل كثير من المنتمين إليهما أن تتم معاملتهم بطريقة مميزة. وبالطبع ينبغي أن يتم ذلك بدون مخالفات شرعية لمقاصد وأحكام الإسلام وبدون إهمال أو تقصير في العمل مع باقي الفئات.

وصفوة القول أنه مهما كان المشهد الذي سينجلي في مصر بعد الانقلاب، فإن على الحركة الإسلامية أن تبذل جهود دؤوبة صبورة حكيمة متنوعة مع المجتمع بكل فئاته ومكوناته على مختلف الإصعدة دون النظر إلى المكاسب السياسية لتحقيق مهمتها في عمران الأرض.

أرسل تعليقاتك
شروط الإستخدام
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.
الإنضمام إلينا على فيس بوك Copyright © 2012 - ISLAM MOUASER. All Rights Reserved
Islam