12345
جدل التسامح والحرية بين الفكر الأوروبي والفكر الإسلامي
إسم الكاتب: د. حمادي ذويب
التاريخ: ١/١٠/٢٠١٣
ليس من الغريب أن نبحث في صلة مبدأي التسامح والحرية، فالارتباط بينهما وطيد في مستويات مختلفة ابتداءً من المستوى المفهومي. والتسامح في أكثر تعريفاته رواجًا: هو احترام حرية الآخر وطرائق تفكيره وسلوكه وآرائه السياسيّة والدينيّة.[1]

 ويقصد بالاحترام في هذا السياق قبول الرأي المختلف حتى إن كان خلاف رأيك، دون أن يعني ذلك اعتناق هذا الرأي المخالف أو التنازل عن الرأي الشخصيّ. وظاهر الأمر أن مفهوم التسامح في أصل تداوله اللغوي يحمل معنى ترك الحرية للآخر بشكل غير مريح، وفيه قدر من الضغط على النفس، وهذا ما نفهمه من دلالة فعل تسامح (tolérer)، فقد استعير من اللاتينية سنة 1393م وكان يدل وقتها على المعنيين؛ حمل وتحمّل، وانتقل الفعل إلى اللغة الفرنسية حاملاً معه المعنى اللاتيني "تحمّل في عناء"، ثم خرج هذا المعنى عن نطاق التداول والاستعمال وعوّض معنى الصبر معنى العناء والألم واكتسب الفعل دلالات التحمل مع التسامح مع ما لا نحبذه لدى شخص ما في عام 1611م، وتحمل شخص لا نحبذه عام 1689م، وتحمل ما نجده غير عادل بصبر عام 1690م، وفي العصر الكلاسيكي طور فعل تسامح اعتمادًا على الدلالة المكتسبة خلال القرن السادس عشر معنى خاصًا أكثر حيوية هو؛ البرهنة على الانفتاح في المجال الديني عام 1640م. وفي أواخر القرن التاسع عشر استعاد الفعل " تسامح" دلالة استخدامه الأولى وهي " تحمّل شيء ما" عام 1872م.[2]

ولا يبتعد تعريف التسامح في الموسوعة العالمية عن هذه المعاني، فحسب كاتب مقال "فكرة التسامح" يمكن أن نعرّف التسامح بأنّه: سلوك يتمثّل في أن نترك للآخر حرية التعبير عن آرائه التي لا نشاركه فيها، وأن نتركه يعيش حسب مبادئ لا نتبنّاها. [3] ويقترح قوبلو (Goblot) في كتابه (Vocabulaire philosophique) تعريفًا ينوّه به لالاند (Lalande) يفيد أنّ التسامح لا يتمثّل في التخلي عن المعتقدات أو الامتناع عن إظهارها أو في الدفاع عنها ونشرها، بل في الامتناع عن كلّ الوسائل العنيفة، وهو في كلمة مختصرة اقتراح الآراء دون البحث عن فرضها.[4] ومن الضروري للباحث، في صلة التسامح بالحريّة، أن يستحضر السياق التاريخي الذي ترسّخت فيه هذه الصلة في أوروبا بعد الحروب الدينيّة التي تقاتل خلالها أتباع المذهبين الكاثوليكي والبروتستانتي. فقد ذاق الأوروبيون ويلات التعصب الديني ودفعوا ضريبة غالية للوصول إلى مرحلة الاقتناع بأن الحلّ الوحيد يكمن في التسامح مع الاختلافات الفكريّة والعقائديّة والسياسيّة. وفي هذا الصدد يذهب علي أومليل إلى أنّ مفهوم "توليرانس" هو وليد حركة الإصلاح الديني الأوروبي. وقد نشأ ليعبّر عن تغير في الذهنية ناتج عن علاقة جديدة. وهي علاقة الاعتراف المتبادل بين القوى التي استمرّت تتصارع طوال القرن السادس عشر للميلاد، أي إبان الحروب الدينيّة الأوروبيّة. لقد حدث انشقاق داخل الدين الواحد ثم حدث تجاوزه بالاعتراف بالحق في الاختلاف في الاعتقاد ثم في حرية التفكير بوجه عام". [5]
وما كان لحركة الإصلاح الديني الأوروبي أن تؤصّل التسامح والحريّة الدينيّة قيمتين ساميتين في الفكر وفي المجتمع الأوروبي دون ذلك الإسهام الرئيسي لأعلام هذه الحركة على أكثر من صعيد نظري وعملي. وهذا ما جلب لهم النقد تارة والاحترام تارة أخرى، في حياتهم وبعد مماتهم. وهو ما يفسّر ما كتب على الشاهد الذي يعلو قبر فولتير: "حارب الملحدين والمتزمتين. أوحى في كتاباته بروحية التسامح. طالب بحقوق الإنسان ضدّ العبوديّة ونظام الإقطاع. شاعر مؤرخ وفيلسوف جعل آفاق النفس البشريّة تتسع وتتعلّم معنى الحرية.[6]

لقد كرّس فولتير جانبًا كبيرًا من حياته للدفاع عن حرية المعتقد والتعبير باعتباره من وجوه التسامح الأساسية ، وهو الذي أطلق الشعار المشهور" إنني مستعدّ أن أموت من أجل أن أدعك تتكلم بحرية مع مخالفتي الكاملة لما تقول" . ولا شكّ في أنّ هذا الموقف يتأسس على أرضية الإيمان بأن التسامح يقتضي حتمًا تحرير العقول والألسنة وإطلاقها . ومن هذا المنطلق فولتير سعى إلى ترسيخ الارتباط الوثيق بين التسامح والحرية إن على الصعيد النظري أو على الصعيد العملي.
ففي المستوى الأول كتب فولتير عدّة كتابات حول موضوع التسامح أشهرها رسالة التسامح (Traité sur la Tolérance à l’occasion de la mort de Jean Calas) التي نشرت سنة 1763م، وفي كتابه "الرسائل الفلسفية" تطرق إلى التسامح الديني في إنجلترا، وفي كتابه "في العادات" (Essai sur les mœurs ) الذي ظهر سنة 1765م، فصول عن التسامح وفيه مدح الإسلام وأشاد بالرسول الكريم وبالقرآن الكريم، متراجعًا بذلك عمّا تضمنه كتابه "التعصب أو النبي محمد" من نقد يندرج في سياق التصدي للفكر الديني المتعصب عامة وللأفكار المسيحية خاصة، التزامًا بمبادئ التنوير العقلي والنقدي. وقد تضمن كذلك معجمه الفلسفي (dictionnaire philosophique) مقالات خاصة بالدين والتسامح. كما وتعدّ رسالته حول التسامح أهم كتاباته التي خلدت نضاله العملي في مجال الدفاع عن التسامح والحرية الدينية، فهي توثق أطوار قضية جان كالاس، وهو تاجر متواضع يقطن في تولوز ويعتنق المذهب البروتاستنتي.

وتتمثل مجريات هذه القضية في أنه في الثالث عشر من أكتوبر 1761م شنق الابن الأكبر مارك انطوان نفسه، ولم تٌعلم أسرة كالاس السلطات بالظروف الدقيقة التي حفّت بوفاة ابنها، وادعت أنها وجدته مخنوقًا لأنها لم ترغب في اعتباره منتحرًا ممّا يؤدي إلى عدم القيام بجنازة لائقة به. وإثر شائعات أشارت إلى أن الابن المنتحر كان يرغب في التحول إلى الكاثوليكية أمرت الشرطة بمزيد من التحقيق في القضية، ووقعت مساءلة والده، واعترف تحت التعذيب بأنه الجاني ثم تراجع، لكن المحكمة أدانته وحكمت عليه بالإعدام في التاسع من مارس 1762م. وكان لجان كالاس ابن آخر اسمه دونات donat))، وكان منفيًا فتوجه إلى العاصمة الكالفينية جينيف حيث التقى فولتير.
وكان فولتير يعتقد في البدء أنّ الاتهام الموجه إلى جان كالاس له مستندات قوية فكتب رسالة شديدة اللهجة ضد كالاس لكنه بعدما رواه له دونات اقتنع ببراءته، فكوّن فريق ضغط مع أصدقائه واستخدم أسلوبه الساخر قصدَ تحقيق العدالة، وفي سنة 1765 نجح فولتير في مراجعة القضية ممّا أدّى إلى إعلان براءة كالاس.
لقد برهن فولتير من خلال مرافعته عن جان كالاس على وعيه العميق بضرورة التسامح والحرية الدينية في أوروبا، لذلك دافع عن عائلة مضطهدة وعن حق الآخر البروتاستنتي في الوجود وفي ممارسة معتقداته، على الرغم من أن فولتير ينتمي إلى عائلة كاثوليكية، وأن المذهب الكاثوليكي هو مذهب الأغلبية. ويكفي أن نعلم أن فولتير لم يكن يوقّع معظم كتبه بسبب قوة بطش المتعصبين للكاثوليكية، لكن الأمر في نظره لم يكن مهمًا لأن مقصده أن تُبَلّغ الحقيقة إلى الناس بقطع النظر عن مصدرها.
وإذا كان أمر الارتباط بين التسامح والحرية في الفكر الأوروبي مفروغًا منه، فكيف هو الحال في بحث الفكر الإسلامي الحديث؟ سنحاول أن ندرس هذه المسألة من خلال أنموذج من نماذج الفكر الإسلامي هو الشيخ التونسي محمد الطاهر بن عاشور (ت1973م). إذ تعتبر الصلة بين التسامح والحرية لديه مسألة جوهرية ، فهو من دون شكّ متشبع بالمفهوم الغربي للتسامح لذلك يقرّ أن التسامح هو "إبداء السماحة للمخالفين للمسلمين بالدين، وهو لفظ اصطلح عليه العلماء الباحثون في الأديان من المتأخرين من أواخر القرن الماضي".[7] إن التسامح في رأيه يدور حول حرية الآخر غير المسلم في عقيدته، ولا يتعلق بترك الحرية للمسلم في ما يعتقده، لكن هل من سند لهذا الاستنتاج الذي استنتجناه من تعريفه؟

يمكن أن نعثر على هذا السند في فصل موسوم بـ "الحرية المنشودة" ضمن كتابه "أصول النظام الاجتماعي في الإسلام"، حيث تنقسم مستويات الحرية لديه إلى أربعة هي: حرية الاعتقاد، وحرية التفكير، وحرية القول، وحرية الفعل. وهذه الحريات ليست مطلقة في نظره على شاكلة التصور الغربي لها وإنما هي مقيدة بالمرجعية التشريعية والعملية الإسلامية فيقول: "وكل هذه الحريات الأربع محدودة في نظام الاجتماع الإسلامي بما حددت به شريعة الإسلام أعمال الأمة الإسلامية في تصرفاتهم الفردية والجماعية".[8]وقد أولى لحرية الاعتقاد مكانة أثيرة تتبدى من خلال اعتبارها أوسع الحريات دائرة، على أساس أن صاحب الاعتقاد مطلق التفكير فيما يعتقده. وقد ارتأى صاحب "التحرير والتنوير" أن يقارب حرية الاعتقاد من جانبين؛ أحدهما جانب حظ المسلم منها، والآخر جانب حظ غير المسلم الذي يعيش في كنف الدولة الإسلامية.
فعلى صعيد المسلم يميّز الشيخ التونسي بين أمرين أولهما حرية اعتقاد المسلم من ناحية تبني معتقدات أي مذهب إسلامي، ويترتب على هذا في نظره "التحذير الشديد من أن يكفّر بعض المسلمين بعضًا، لأن تكفير بعضهم بعضاً يتسبّب في إخراج جزء من الجامعة الإسلامية عنها، فيفضي ذلك إلى تفتت الجامعة بأيدي أهلها".[9]

ولا يبدو لنا هذا الموقف من نتائج التأثر بالمفهوم الغربي لحرية الاعتقاد، وذلك لأن دافعه الصريح في خطاب الشيخ هو الحرص على وحدة المسلمين، لأن السياق التاريخي كان يفرض تقوية الجبهة الداخلية للمسلمين ليحافظوا على وجودهم وعلى بلدانهم وعلى هويتهم. وتعدّ هذه القراءة البراغماتية للواقع الإسلامي من القراءات المتجاوزة للتراث القديم، المشحون بمواقف التكفير المتبادل بين ممثلي الفرق والمذاهب الإسلامية, فبدل البحث عن نقاط الالتقاء كان التركيز على نقاط الافتراق هو هاجس كثير من الفرق الإسلامية، ممّا عمّق انشقاق المجتمع وتفرّق مكوناته وتصادمها في أكثر من مناسبة.

أمّا الأمر الثاني في بحث ابن عاشور مسألة حرية الاعتقاد لدى المسلم، فهو منع هذه الحرية إن تعلقت بالانسلاخ عن الدين الإسلامي بحجة الحديث المعروف "من بدّل دينه فاقتلوه"، وهذا الموقف مخالف بلا شك للمفهوم الغربي لحرية الاعتقاد، لأن ما يحكم فكر الشيخ في المقام الأول هو قواعد الإسلام لذلك يصرح منذ البداية بأن "حرية اعتقاد المسلم محدودة له بما جاء به الدين الإسلامي مما تتكون جامعة المسلمين بالاتفاق على أصوله".[10] ومن الواضح أنه اختار الاحتماء بسلطة السلف في هذه المسألة، لما في الخيار المخالف من خطورة على الجسم الاجتماعي وعلى الهوية الإسلامية.

إن التسامح مع الاختلاف وإطلاق حرية الاعتقاد في تصور الشيخ، لا يمكن أن يشمل الحق في الخروج عن الدين باعتبار الدخول في الإسلام بمثابة العهد الأبدي الذي يجرّم نقضه، أمّا ما عدا ذلك فإنه متاح للمسلم، وضمن هذا المتاح يخول للمسلم اعتناق ما شاء من مذاهب "فللمسلم أن يكون سنيًا سلفيًا أو أشعريًا أو ماتريديًا، وأن يكون معتزليًا أو خارجيًا أو زيديًا أو إماميًا. وقواعد العلوم وصحة المناظرة تميز ما في هذه النحل من مقادير الصواب والخطأ أو الحق والباطل".[11]
وقد عمد كثير من الباحثين إلى نقد الموقف المحافظ من الردة لتعارضه مع مبدأ حرية الاعتقاد فضلاً عن غياب نص قرآني يعضد هذا الموقف، وهذا ما جعل هؤلاء الباحثين ينتقدون الأسانيد الدينية التي اعتمد عليها المدافعون عن قتل المرتد وفي صدارتها الإجماع.
وقد كان الشيخ طه جابر العلواني من الرافضين لدعوى الإجماع على قتل المرتدّ.[12] فهذا الحكم في نظره من العناصر الفقهيّة المُقعِدة للأمّة والمعيقة لحركيّتها، فبسبب هذه العناصر زاد الغلوّ في العقيدة وفي التشريع، وشاع رفض الآخر والجهل بالسنن الإلهيّة والكونيّة. وبناءً على هذا اعترض هذا الشيخ على حديث "من بدّل دينه فاقتلوه"، مستثمرًا في ذلك آليّة الهيمنة بالقرآن على الحديث، أي عدم تقديم الحديث على القرآن أو جعله مساويًا له، وهو ما يعني إسقاط ما يدّعيه بعضهم من أنّ السنّة قاضية على الكتاب. وفضلاً عن ذلك يعترض هذا الشيخ على الحديث المذكور بالتاريخ الذي أثبت أنّ الرسول ما قتل مرتدّا طيلة حياته، ممّا ينفي أيّ دليل فعليّ صادر عن الرّسول.[13]

وقد ذهب العلواني إلى أنّ "سيف الإجماع" اتخذّ منذ وقت بعيد وسيلة للحيلولة دون مناقشة بعض القضايا الخطرة، مثل موضوع الردّة، وذلك لأنّه حدث خلاف في القرون الثلاثة الأولى في حكم المرتدّ، فلم يتحقّق الإجماع في تلك العصور على ذلك الحكم، ورأى أنّ الزعم بحصول إجماع في هذه المسألة يرمي إلى إغلاق الباب دون التفكير في أيّ مراجعة لهذا الحدّ. ويعدّ هذا الإغلاق نوعا من أنواع الاستغلال السياسي لحدّ الردّة. وهكذا شهد التاريخ الإسلامي عدّة حوادث تبرهن على التوظيف السياسي لهذا الحدّ أي القتل بدعوى الردّة، ومن ذلك إعدام أحمد بن نصر الخزاعي (ت 231هـ) بحدّ الردّة من قبل الخليفة العبّاسي الواثق بالله (ت 232هـ) في إطار فتنة خلق القرآن.[14] وهكذا لا يمكن الحديث عن التسامح من دون وصله بالحرية، فهما، أي التسامح والحرية، ضريبة ثقيلة ينبغي دفعها لإرساء أسس التعايش بين كل مكونات المجتمع. ولن يكون هذا الهدف المنشود ميسور التحقيق من دون التخلي عن ادعاء امتلاك الحقيقة، فالفهم البشري محدود ونسبي وقاصر والمعنى الذي قد يتوصل إليه العقل ليس سوى ممكن من الممكنات التأويلية، لذلك لم يبقَ أي نص مهما كانت قداسته مجمدًا في دلالة واحدة ثابتة. بناءً على هذا لا مناص من إرساء علاقة تفاعلية بناءة وإيجابية بين التسامح والحرية رغم كل النقد الذي يمكن توجيهه إلى المفهومين.

المصدر: مؤمنون بلا حدود

 

أرسل تعليقاتك
شروط الإستخدام
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.
الإنضمام إلينا على فيس بوك Copyright © 2012 - ISLAM MOUASER. All Rights Reserved
Islam