12345
السيد محمد حسين فضل الله العالم الديني والنصير الإ
إسم الكاتب: صوفي شماس
التاريخ: ٣٠/١٢/٢٠١١
المترجم: غسان رملاوي
تعرض الباحثة في الجامعة الأمريكية –الشارقة - صوفي شمّاس في هذه الدراسة لمفهومي النسوية والمساواة الجندرية في الإسلام، وهي ترى أنّ مفهوم النّسويّة يصعب تعريفه، إذ تؤثر فيه عوامل التاريخ والثقافة والدين، مشيرة إلى أن المقاربة العلمانية الليبرالية للنسوية سيطرت منذ فترة طويلة على الخطاب العالمي حول حقوق المرأة والمساواة الجندرية، إلا أنه في السنوات الأخيرة أضحت النسوية الإسلامية هي المهيمنة في الشرق الأوسط حيث الكثير من النساء يحددن حياتهن من منطلق إسلامي، إضافةً إلى أنها –أي النسوية الإسلامية- تعمل كأداة يمكن أن يتصالح النساء عبرها مع معتقداتهن الدينية ورغبتهن في المساواة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولقد واجهت النسوية الإسلامية انتقادات قاسية من الذين يعتقدون أن نمط الحياة السياسية والاجتماعية الإسلامية جامد وغير قابل للتغيير، بيد أن التفحص في كتابات سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله(ره)، والتأثير الذي خلفته على النساء المسلمات، يكشف عن حيوية الدين وانسجامه مع مقتضيات الحياة. وقد اعتمدت الكاتبة في دفاعها عن وجود نسوية إسلامية، على آراء سماحته (ره)،  معتبرة أنه النسوي الإسلامي (بمعنى نصير المرأة) الذي عمل على تفسير النصوص الدينية بشكل عقلاني منفتح، وأظهرت  من خلال سماحته تصدي النسوية الإسلامية للتأويلات السلفية للإسلام. كما أجرت مقارنةً بين آراء السيد فضل الله النسوية وإصلاحيين إسلاميين آخرين مثل حسن البنا، عازيةً الاختلافات بينهما إلى الاختلافات في المنهج الاجتهادي عند السنة والشيعة.

مقدمة:
لمفهومي النسوية والمساواة الجندرية (الجنسية) أوجه متعددة، فهي أي المساواة تفهم بشكل مختلف تبعاً لاختلاف ثقافة الناس. ومن المهم أن ندرك مدى تعقد مفهوم النسوية والطبيعة الغامضة للمساواة الجندرية، ذلك أن ما تحتاج إليه النساء وترغبن فيه مرتبط بشكل لا فكاك فيه بثقافتهن ودينهن وطبقتهن الاقتصادية.. وتنتج هذه العوامل أفهاماً مختلفة لما تعنيه المساواة ولكيفية تحققها..
من المهم أولاً أن نتخلص من الإدعاء بأن الدين وتحديداً الإسلام لا يتوافق مع النسوية وبالتالي فإنه لا يتوافق مع الحداثة، وتنبع أهمية ذلك من أن الكثير من النساء في العالم المسلم يحددن حياتهن من منطلق إسلامي ويرين إلى حقوقهن بالاستناد إليه. ويعرّف هؤلاء النسوة المساواة الجندرية والرغبة في تحقيقها في إطار الإسلام.

ويمكن لإعادة تفسير النصوص الدينية أن تؤدي إلى تغيير في القواعد المجتمعية السائدة، ويمكن أن تحدث تحوّلاً جوهرياً في وضع المرأة. في هذه الدراسة سوف أستخدم كتابات السيد محمد حسين فضل الله لإظهار كيف يمكن للأفراد أن يعملوا من داخل منظومة إيمانهم عبر تفسير النصوص الدينية بشكل عقلاني في سبيل تحسين ظروف المرأة والدعوة إلى المساواة الجندرية، وسأحاجج بأنه من منظار النسوية الإسلامية يُعد فضل الله نصيراً لقضية المرأة. (لاحقاً نسوي)(**).

2- دفاعاً عن النسوية الإسلامية:
قبل أن يتمكن المرء من القول إن فضل الله نسوي إسلامي، فإن عليه أن يبرهن أن النسوية الإسلامية شكل شرعي من أشكال النسوية.. يبحث النسويوين الإسلاميون في التعاليم الدينية الأرثوذكسية (بمعنى السلفية) عن حقوق النساء وواجباتهن. وهم يدافعون عن حق المرأة في المساواة عبر توفير أدلة إسلامية عن ذلك الحق. وهم يصلون إلى حقوق النساء عبر الاجتهاد والمنطق والتأويل الديني، مانحين الشرعية لحججهم بالآيات القرآنية. ولقد وصفت الناشطة النسوية الإيرانية، أفسنة نجم آبادي Afsaneh Najmabadi هذه المقاربة بوصفها "تغييراً  راديكالياً في حقل التفسير بحيث أصبحت المرأة هي المفسر وحاجاتها قاعدة للتفسير".


ويرفض النسويون الإسلاميون الفهم السلفي في العالم الإسلامي الذي يسجن النساء في الإطار المنزلي، يدحضون أيضاً التفسير التقليدي للشريعة الإسلامية الذي يعطي للرجال سلطة الطلاق الاعتباطي وحق تعدد الزوجات وعدم المساواة في الإرث.
وتصف نيرة توحيدي Nayereh Tohidi النسوية الإسلامية "كحركة نسائية حافظت على معتقداتها الدينية وتحاول في الوقت ذاته نشر الأخلاق المساواتية للإسلام عبر استخدام الآيات القرآنية المساندة لنضالها من أجل حرية النساء، وخصوصاً حق النساء في التعليم".
ويرى ناقدو النسوية الإسلامية أن محاولات إعادة تفسير القرآن والتوصل إلى إعادة تركيب للشريعة أمر عديم الفائدة نظراً إلى قوة التفسير السلفي للإسلام. ويرفض بعض النقاد الحجج القائلة أن التحجب والحياة المنزلية والالتزام بالمبادئ الإسلامية تشكل دلائل على الخيار الحر وتقرير المصير وبناء الهوية عندما تختارها النساء غير الخاضعات للضغط المجتمعي والسياسي. ولا يرى هؤلاء النقاد أي مرونة في النظام السياسي والقانوني الإسلامي ويعتبرون أن الإسلام يملي دور المرأة بشكل لا لبس فيه ولا يترك أي مجال للتأويل. إن الدور الذي يعطيه الإسلام للمرأة هو دور دوني في كل من الزواج والطلاق وحضانة الأطفال والميراث والإدلاء بالشهادة والمحاكم والفقه ونمط الثياب.

وتقر سابا محمود بالعناصر الإشكالية للنسوية الإسلامية. ذلك أن دعاتها يؤكدون أنفسهم في المجالات نفسها التي كانت تقليدياً متمحورة حول الرجل، إلا أن الخطاب الذي يستخدمونه ينبع من الخطابات التي تستخدم تقليدياً لتبرير الخضوع للسلطة الذكورية، وهم يعالجون هذه العناصر الإشكالية عبر التشديد على ممارسة الوكالة الحرة للمرأة  "Free agency" داخل نظام قائم على التبعية. "تقاوم النساء النظام السلطوي الذكوري عبر تقويض معاني الهيمنة للممارسات الثقافية وإعادة توظيفها بما يخدم "مصالحها وبرامج عملها"."
ولعلي آمل من خلال تقديم فضل الله كنسوي إسلامي أن أكون قد دافعت في شكل ضمني عن وجود نسوية إسلامية.. يدعو فضل الله إلى تعزيز حقوق المرأة من داخل الإطار الإسلامي، وعلى الرغم من أن لبنان ليس دولة إسلامية، إلا أن الجماعة الشيعية في لبنان تؤمن بالمبادئ الإسلامية وتعيش وفقاَ للشريعة، ولقد أثرت إعادة تأويل فضل الله للآيات القرآنية المتصلة بالنساء في شكل درامي في هذه الجماعة، بل وغيرتها.

وآمل أن أُظهر، عبر الإضاءة على هذا التأثير، كيف يمكن للنسوية الإسلامية أن تتصدى للتأويلات السلفية للإسلام بنجاح، وتترك أكثر من مجرد شرخ في ما يعتبره النقاد نظاماً اجتماعياً ـ سياسياً جامداً.

3- الكتابات الإصلاحية للسيد محمد حسين فضل الله:
فضل الله هو أبرز عالم ديني شيعي في لبنان وواحد من أبرز الفقهاء في العالم الشيعي  وهو يدعو إلى فقه حركي، أي نظام فقهي حديث يقوم على الاعتقاد أن عملية دائمة من إعادة تفسير القرآن وإعادة قراءته في شكل مضموني أمر ضروري لخير المجتمع. ويظهر الالتزام بهذا المنهج في آراء فضل الله حول النساء. فهو يشدد على الحاجة إلى التحليل الإسلامي السياقي والمضموني للنصوص الإسلامية وإلى تأويلها في ظل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة.

ويذكر هذا بمقولة جيسيلا بوك Gisela Bock القائلة أن الجندر هو أمر يبنى اجتماعياً وترسم شكله عوامل اجتماعية أخرى مثل الطبقة الاقتصادية.

ويعتبر فضل الله الرجال والنساء متساوين في الإنسانية وفي الحقوق والواجبات الدينية. فللنساء مثل الرجال القدرة على التفكير. وهو يؤمن بأن للنساء والرجال الحق في استخدام هذه القدرة في الحقل العام. وهنا يصبح من المهم الإشارة إلى موقف فضل الله التقدمي من الاجتهاد. ففي حين يؤمن أغلب الشيعة أن رجال الدين وحدهم هم الذين يملكون المهارات التي تؤهلهم لتفسير النصوص الإسلامية وهم بالتالي يعترضون على قيام الرجال والنساء من غير  العلماء بهذا الأمر يدعو فضل الله إلى عدم حصرية الاجتهاد برجال الدين.
فهو يرى أن المرء إذا ما درس الفقه والشريعة يمكن أن يأول النصوص الدينية في شكل مستقل، وهو يرى أن من حق الرجال والنساء معاً القيام بذلك( ).

ويرفض فضل الله نظام الأسرة البطريركي ويرى أن الزواج ينبغي أن يقوم على المسؤوليات المشتركة والاحترام المتبادل. وهو يتغاضى عن عدم المساواة في الإرث بين الرجال والنساء إلا أنه يعزو ذلك إلى التبعات المالية الملقاة على عاتق الرجل في المجتمعات الإسلامية. وهو يوافق على الرأي القائل إن النساء أكثر عاطفية من الرجال ويرى في ذلك ضعفاً. إلا أنه لا يعتبر ذلك جزءاً من طبيعة المرأة، بل هو يؤكد أن بإمكان المرأة التخلص من هذه العاطفية الزائدة( ).

ويرى فضل الله أنه إذا أراد العلماء فهم المرأة لا بد لهم من أن يراقبوا سلوكها اليومي ويستخدموا ما يستنتجونه بوصفه القاعدة التي يستندون إليها لتفسير الآيات القرآنية حول المرأة( ).
ويرى فضل الله أن ثمة فروقاً بين الجنسين ولكن "هذه الفروق لا تعوق [المرأة] من أن تكون قوية في التفكير والعطاء والإرادة والقدرة على اتخاذ القرار الصائب والموقف الصحيح بعد دراسة كل الخيارات، عندما تتوافر الظروف المؤاتية للإبداع والتفكير المنطقي"( ).
ويرى فضل الله أن للمرأة والرجل في الإسلام حقاً متساوياً في طلب العلم. وهو يرى أن دور المرأة كأم يجب ألا يستخدم [كذريعة] ضدها ويجب ألاّ يحرمها من التعلم في الحقول التي تتخطى واجباتها الأمومية المباشرة. وهو يؤمن أن المرأة والرجل يتكاملان ويكمل أحدهما الآخر في الحياة، ولكن كلاً منهما مسؤول في شكل إفرادي أمام الله. وبالتالي فإن للنساء الحق نفسه من التعلم الذي للرجال، فهن مساويات للرجال في مسؤولياتهن وواجباتهن الروحية ولا يستطعن أن يفهمن هذه المسؤوليات والالتزامات في شكل كامل من دون التعليم( ). ويعتبر فضل الله أنه يجب أن لا نمنع النساء، كما لا يمنع الرجال، من طلب العلم غير الديني ما لم يكن هذا العلم يؤدي إلى الانحراف الأخلاقي.
وبحسب فضل الله فإن الإسلام لم يعط أدواراً منفصلة للرجال والنساء. ولا يوجد تمايز بينهما إلا فيما يتعلق بالدور الأسري( ).
أما في بقية مجالات الحياة فإن النساء والرجال قادرون على القيام بالواجبات نفسها. وهو يشير إلى أن الإسلام لم يحصر النساء في الإطار المنـزلي. وأنه يمكن للنساء أن يعملن في الحقل العام. وإذا طالبت المرأة بأجر فعلي لقاء عملها في المنـزل فإنه يجب أن تعطى ذلك الأجر.

4- آراء فضل الله النسوية مقابلة بإصلاحيين إسلاميين آخرين ولقد كان المصري حسن البنا، مثله مثل فضل الله، داعياً إلى تعليم النساء. إلا أنه بخلاف الأخير اعتبر المنـزل الساحة الطبيعية لهن، وقال إنه يحق للمرأة أن تشارك في الساحات الأخرى في حال قامت بواجباتها في البيت أولاً، وهو موقف ذو شعبية لدى الكثير من المصلحين الإسلاميين، ولعل هذا الاختلاف في التأويل هو الذي يميز السيد فضل الله، فهو على الرغم من تشديده على دور المرأة في المنزل، إلا أنه يشدد أيضاً على عدم السماح لواجباتها المنزلية بأن تحول بينها وبين الأهداف الأخرى.
ولقد آمن البنا بخلاف فضل الله بوجود اختلافات تكوينية عدة بين الرجل والمرأة. فهو إذ يعرف الرجال بقوتهم الجسدية وقدرتهم على التفكير يرى أن النساء يتميزن بضعفهن الجسدي وبقدراتهن العاطفية الفائقة وحاجتهن إلى التبعية. ولقد رأى البنا أن هذه الصفات الطبيعية تفسر حاجة النساء إلى ملازمة المنزل وتبرر علو كعب الرجل. ويبرهن البنا ذلك بالاستشهاد بالآية 34 من سورة النساء: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}(النساء:34).
وهذا الموقف مختلف بوضوح مع فضل الله الذي يرى أن من الصعب التمييز بين الرجال والنساء الذين تعرضوا للظروف الثقافية ـ الاجتماعية والسياسية نفسها. وأن الرجال ليسوا أكثر قدرة من النساء على فهم الظروف السياسية والاجتماعية الثقافية التي يتعرضون لها والتعامل معها. لقد رأى فضل الله أن العلاقة بين الرجال والنساء هي علاقة شراكة يعتمد فيها كل منهما على الآخر، وليست اتحاداً بين راع وتابع. وفيما اعتبر البنا أن النساء على القدر نفسه من المسؤولية إزاء رخاء المجتمع، داعياً بالتالي إلى إدخالهن في العملية السياسية عبر التشديد على الحاجة إلى التشاور معهن في الأمور السياسية كمواطنات وزوجات، إلا أنه رأى أنه لا بد من تنظيم وظائفهن الإنتاجية( ).
وبخلاف فضل الله فقد رفض البنا تأويل الآيات القرآنية المتعلقة بالنساء، وعلى الرغم من أنه دعا إلى تعليم النساء ومشاركتهن في المجتمع، إلا أنه لم يدعُ إلى التعديل الجوهري لحياة النساء الأمر الذي تفرد به فضل الله.

ومن المهم أن نضع الاختلافات بين فضل الله والبنا في إطار الاختلافات بين السنة والشيعة. فالسنة يلتزمون بالقرآن والشريعة والسنة بنصوصها الحرفية وبالتالي فهم يرفضون أن يعيدوا تأويل الفهم السلفي للآيات مثل الآية 34 من سورة النساء المذكورة أعلاه، أما الشيعة فيؤمنون بالاجتهاد وأن من واجب رجال الدين أن يقدموا للجماعة إعادة التأويل للنصوص الدينية. ويلتزم السنة بالتفسيرات السلفية للذين كانوا موضع ثقة النبي، ورغم أن البنا دعا إلى إصلاح جذري عندما أكد الحاجة إلى إعادة تأويل ضئيلة للقرآن لأهداف سياسية واقتصادية، فإنه لم يوسع هذه الحاجة بما يشمل الآيات المتعلقة بالنساء.

أما المذهب الشيعي فيدعو في المقابل إلى إعادة تأويل كل الآيات الإسلامية التي لا تتفق مع العقل والحس السليم. وفضل الله جزء من هذا التراث. وهو انطلاقاً من تأكيده أن الرجال والنساء متساوون في الإسلام، يرى أن [ظاهر] الآيات القرآنية التي تمنح النساء حقوقاً أقل من حقوق الرجل تتعارض مع الحس السليم وتتطلب تالياً أن يعاد تأويلها.

إن التزام فضل الله الصارم بالاجتهاد يلقي الضوء على آرائه المتعلقة بالنساء. فهو يستشهد بآيات قرآنية أخرى تتعارض مع الآية 34 من سورة النساء {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} ليشير إلى عدم وضوح بعض الآيات القرآنية والمدى الواسع الذي يخلفه ذلك للتأويل. والمثال على ذلك هو استخدامه للآية 4:19.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}(النساء:19).

5- النساء الشيعة التقيات في لبنان والسعي للمساواة الجندرية
غالباً ما كان يقال إن الإسلام لا يتوافق مع الحداثة. إن نظرة متفحصة على وضع النساء الشيعة المتدينات في لبنان يمكن أن تدحض هذا الزعم. فالدين هو جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية للشيعة المؤمنين المقيمين في الضاحية، وهي ضاحية فقيرة في بيروت، وهو موجود في كل مظاهر حياتها.
وهناك في التشيع بعض رجال الدين الذين يعتبرون مراجع تقليد والسيد فضل الله هو أحدهم( ).

ويرجع الشيعة إلى هؤلاء المراجع. وقد شكل الشيعة في ظل إرشاداتهم ما تشير إليه "ديب" ب: جماعة "التقوى الحديثة" وهي "نظام أخلاقي وأسلوب وجود في هذا العالم، ونمط حضور ذاتي، ومهيمن بالمعنى الغرامشي للكلمة، تمأسس في بنية تحتية للشيعة المتدينين وقواعد اجتماعية وتجربة مرغوب فيها". ومن العناصر المكونة لهذه الجماعة، بناء الممارسة الدينية على المعرفة والمساهمة الفاعلة في المجتمع، وإحياء عاشوراء وارتداء الحجاب والانخراط في الوقت نفسه في الحقل العام.

والنساء في الضاحية مساهمات فاعلات في المجتمع إلا أن الأمور لم تكن دائماً كذلك. فلقد كان على هؤلاء النسوة أن يخضن ما يشار إليه بوصفه "جهاداً جندرياً"، لكي يشرعن رغبتهن في المشاركة في الحقل العام.
لقد كان عليهن أن يحاربن الافتراضات الشوفينية الشعبوية من نوع أن النساء غير قادرات على التصرف بعقلانية. كما كان عليهن أن يحاربن التمييز الجنساني والبطريركية في مجتمعاتهن. ولقد دعين، وهو أمر خلافي بالطبع، إلى مشاركة الرجل في الاهتمام بشؤون المنـزل، زاعمات أن النساء لن يكن قادرات على العمل في الحقل العام ما لم يشارك الرجل في تحمل المسؤوليات المنـزلية. ويمكن ربط العديد من هؤلاء النسوة بالسيد فضل الله( ). وبالتالي فإن فضل الله يلعب دور المرشد للنساء في عدد من القضايا الجندرية. إلا أن التغيير الأبرز الذي جاءت به آراء فضل الله يكمن في حقل الاجتهاد، حيث أعطت كتاباته النساء الحق في تأويل النصوص الدينية والمحاججة بأن لهن دوراً في الحقل العام.

ولقد أدت العوامل التي شكلت "الجهاد الجندري" النسائي في الضاحية إلى نشوء المرأة المتدينة الحديثة المثالية. وهي امرأة متعلمة وقوية وصريحة وبارزة وهي في الوقت نفسه متدينة وملتزمة بدينها وأسرتها ومجتمعها. لقد أعطى فضل الله كمرجع النساء الشيعيات (*) الشرعية التي كن في حاجة إليها لفرض حقوقهن وفي الوقت نفسه تأسيس هذه الحقوق على نصوص دينية، ما سمح لهن بمصالحة معتقداتهن الدينية مع تطلعهن إلى الإصلاح الجندري .
6- خلاصة
يدعو فضل الله، مثله مثل النسويين الإسلاميين الآخرين، إلى حق المرأة في الاجتهاد والتعلم والعمل. ولقد تمظهرت آراؤه في الضاحية ما يجعله بالتالي مثالاً على كيفية قيام الأفراد بإصلاح النظام من الداخل عاملين على التوصل إلى المساواة الجندرية في إطار  نظامهم العقيدي عبر إعادة تفسير النصوص الدينية والقانون الديني [الشريعة]. إن الجماعة الشيعية في الضاحية تضيء على أهمية تنامي الوعي بالعناصر الثقافية من المساواة الجندرية والنسوية والحاجة إلى النظر في هذه العوامل قبل القفز إلى الاستنتاجات حول وضع المرأة أو وضع الجماعة ككل.

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
الهامش:
(*) هذا النص هو ترجمة لمقالة صوفي شماس، الجامعة الأمريكية في الشارقة المنشورة في Journal of Alternative Perspective in the Social Sciences (2009) Vol 1, No2, 246-257.
(**) كلمة نسوي تستخدم في مجالي السياسة وعلم الاجتماع كترجمة لكلمة Feminist وتعني النصير أو المدافع عن قضية المرأة.
(1) تماثل آراء فضل الله أراء النسويين الإسلاميين الذين يدعون إلى مساهمة المرأة الفاعلة بإعادة تفسير النصوص الدينية في شكل فاعل.
(2 ) وعلى الرغم من إنني أعتقد أن زعمه بأن النساء أكثر عاطفية من الرجال يقوم على أسس غير صحيحة إلا أنني أعتبر أن المهم في الأمر هو تأكيده على عدم كون هذه الصفة جزءاً من طبيعة المرأة. وهو بذلك إنما يدحض الفهم السلفي للنساء في المجتمع الإسلامي.
(3) لا يجد فضل الله ضرورة مماثلة لفهم الرجال، ولذلك علاقته بالأسباب التي دفعته للاهتمام العلمي الديني بالنساء. ويرى فضل الله أن التفسير السلفي للإسلام، يفضل الرجال على النساء. وهو يسعى إلى إعادة تعريف الفهم التقليدي للنساء لكي يتمكن من اجتثاث التبريرات التي استخدمها الإسلاميون السلفيون [لتبرير] المعاملة السيئة للنساء. بيد أنه عندما يناقش قضايا تظهر تبايناً بين القيود المفروضة على النساء وتلك المفروضة على الرجال فإنه يدخل الرجال في الخطاب لكي يضيء على المنطق الذي استدعى هذه القيود. فهو لا يكتفي بشرح أهداف الحجاب في شكل منطقي بل يمضي إلى ما هو أبعد من ذلك، ويوضح أن الإسلام يضع قيوداً مماثلة على ملابس الرجال.
فهو يرى أنه على الرجال، مثلهم مثل النساء، أن يغطوا أنفسهم من الرقبة إلى الكعب. وفي هذا الإطار يمكن للرجال أن يظهروا شعرهم لأنه ليس حسياً كشعر النساء. وعلى الرغم من أن فضل الله لا يستغرق في تعريف الرجال فإنه يعرض بالتفصيل لما يعتبره الفروقات الصغيرة بين الرجال والنساء في الإسلام وذلك لدحض الآراء التي تعتبر أنها ناتجة من علو كعب الرجل.
(4) يمكن الاستنتاج من خلال كتابات فضل الله أنه يعتبر الفرق بين الجنسين فرقاً جسدياً وليس عقلياً أو روحياً. ويذكر ذلك بالموقف الديكارتي من المرأة في حقبة التنوير والذي يستند إلى الزعم الديكارتي بأن العقل والجسد منفصلان. وإنه لا تأثير لجسم المرء على عقله، ورغم أني لم أطلع على كتابات فضل الله حول الجسد إلا أنه من الواضح أنه لا يرى في طبيعة النساء الجسدية ما يعوق عقولهن.
(5) ويستشهد فضل الله بالآية القرآنية الآتية حول قيمة المعرفة: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ}(الزُّمر:9).
(6) لا يتطرق فضل الله إلى الفروقات بين الأمومة والأبوة في شكل صريح، ولكن من المرجح أنه يعتقد إن للمرأة مسؤولية أكبر حيال الأطفال نظراً إلى كونها المنجبة لهم. وبما أن الرجل هو تقليدياً المعيل فإن فضل الله يرى على الأرجح أن دور الأبوة يتمثل في الإعالة بينما يتمثل دور الأمومة في الرعاية.
(7) وهكذا نجد أنه فيما يستعيد فضل الله عناصر من الموقف الديكارتي من النساء فإن البنا يستعيد عناصر من الموقف الأفلاطوني مشدداً على مساهمة الرجال والنساء المتساوية في الأهمية والمختلفة تماماً في المجتمع. ويرى البنا أن أهمية النساء تكمن في قدرتهن على صوغ وتشكيل الجيل التالي. وكذلك يستعيد البنا عناصر من رأي أرسطو عندما يؤكد أنه نتيجة الضعف التكويني لدى النساء فإن عليهن أن يطعن الرجال لما في ذلك من مصلحة لهن.

(8) يقلد الشيعة المتدينين السيد فضل الله أو الإمام الخميني الراحل أو السيد علي السيستاني.
وفي الغالب، فإن منتقدي آراء فضل الله حول المرأة يحاججون ضد تأييده للاجتهاد النسائي ولمشاركة المرأة في الحياة العامة وتحريمه للعنف المنـزلي. إلا أنني لم أجد في البحث الذي قمت به أي صوت نسائي نقدي. ولم تستشهد لارا ديب في دراستها عن النساء الشيعيات سوى بتعليقات إيجابية لموقف فضل الله من قضية المرأة. إلا أنها استشهدت بانتقادات كالتي أشرنا إليها أعلاه لرجال دين ومواطنين ذكور.
ولقد انُتقد فضل الله بشكل كثيف من السنة للأسباب نفسها. بيد أني لم أفاجأ بصعوبة وجود أي صوت نسائي شيعي معارض، بالنظر إلى أن آراءه تهدف في شكل عام إلى تحسين حيواتهن من داخل معتقداتهن الدينية، غير أني أعتقد أن هناك بعض النسوة ذوات المعتقدات الأكثر سلفية وتقليدية ربما كن معارضات لآرائه.
(9) فعلى سبيل المثال وفي ندوة حول دور المرأة في الحقل العام نظمتها اللجنة النسائية في حزب الله جرى التشديد على ضرورة مشاركة الرجل في الاهتمام بشؤون المنـزل واستخدمت كتابات فضل الله لدعم هذا الرأي: "كيف يمكن القول إنه من الممكن والمقبول للنساء العمل خارج البيت، إذا ما أخذنا في الاعتبار نزعة رفض الرجال بعامة مساعدة زوجاتهن في العمل المنزلي، معتبرين أن ذلك أمر مشين. إن ذلك يعود إلى ثقافة التخلف الاجتماعي لا الإسلام. فالإسلام لا علاقة له بوجهة النظر هذه". لقد منحت كتاباته النساء القوة للاستشهاد بالنصوص الدينية والتأكيد على أن لهن حقاً في المساهمة المتساوية في المجال العام.
(10) والمسلمات كافة، المترجم.
المصدر: Journal of Alternative
التاريخ:

أرسل تعليقاتك
شروط الإستخدام
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.
الإنضمام إلينا على فيس بوك Copyright © 2012 - ISLAM MOUASER. All Rights Reserved
Islam