12345
إشكاليات التسلّط في التربية العربية
إسم الكاتب: زهراء علي مكه
التاريخ: ٢٣/١/٢٠١٣

"لا تبحث عن الكنز المفقود في خارطة قديمة"
إشكاليات التسلّط في التربية العربية

                                                                                      
في أمةٍ اكتشفت النفظ منذ عقود، ولم تكتشف الإنسان سوى البارحة، يتحطَّم حلمٌ هنا ويسقط عقلٌ هناك ضحيّة اغتيال خطّطت له النزعة السلطوية في التربية العربية. إنها تنتشر كالوباء  في كل مرافق الحياة بدايةً من الأسرة النواتية، مروراً بالمدارس والمعاهد، وحتَّى الجامعات، وصولاً إلى الإدارات العامَّة، ومراكز السلطة، وعلاقة الحاكم بالشعوب.

ويمكث إنسان هذا العالم في قوالب لفظية وماضوية قائمة على "التلقين". هذه القوالب، تجترّ إنسانها ويجترّها، خالقاً نسخةً إضافيةً من نسخ الماضي، لا إبداع فيها ولا تجديد، بل تقديساً لغبارٍ متراكم على سطح كتبٍ بالية.
أمام هذا التاريخ الذي تأسَّسَ على مراكمات لا تنتج سوى التسلّط والقهر، تبدأ مشكلة الإنفصام التربوي والتغريب الثقافي، فينتشر الملل، وتنخفض الحافزيّة ومعها الإبداع، ويموت النَّقد، فيكمن العقل جثةً في اليقين، متخلّفاً عن ركب التاريخ المتسارع دوماً.

هاهنا نقف على عوالم كثيرة، قد يشكّل الفرد فيها عالماً لوحده، وتنقطع سبل التَّبادل والتَّاَثّر والتأثير، ناهيك عن الإفهام والتفهيم، فينقسم العالم إلى قسمين: الأوَّل الأقوى، يُصَدِّر قيمه مع باقي صادراته للثاني الأضعف، ويغرق الثاني في الإغتراب والقلق مستغرقاً في أسئلة النهايات والمصير، فيمسي ضيفاً على مائدة الإستخبارات تلقّمه ما تشاء من مواد تجهّزه لتقبّل الهزيمة المسبقة نفسياً وعلمياً، وبالتالي عسكرياً. ومن ثمةَ تنطلق الصَّرخة: لمَ حصل ما حصل؟
لطالما صارع الإنسان من أجل حرّيته التي توامها مع العقل، وهو في الوقت عينه يسعى وراء السّلطة والهيمنة، مما يضعه في صراع وجودي جدلي دائم، فالسلطة لا تولِّد سوى السلطة والقهر لا يولّد سوى القهر، ولولا ظلاميّة هذين لما أبصرنا نور الحرّيّة والإنعتاق.

 وإذا ما كانت السّلطة عدوّةً أولى لانعتاق العقل والنفس، ومانعاً يحول دون الإبداع، فإن عالمنا العربي، الذي يشهد ربيعاً مرجوّاً، تنتشر فيه التربية السلطوية التي تقع على تناقض مع الديمقراطيات المرجوة، في ظلّ ضبابيّة شعاراتيّة باسم "حكم الإسلام" و"شرع الله".

هذه الماضوية اللفظية ترسّخ للسلطة، فارضةً على متلقّيها الإنسجاب من الواقع لصالح الشعار، ومن الفعل لصالح القول، ويركّز بالتالي على النظري لا العملي التطبيقي، ناهيك عن الضعف التخطيطي، وهو ناتج عن ضعفٍ في التربية العمليّة وضعف في الممارسة، يتأسَّس له في الأسرة العربية أوَّلاً، ثمَّ في البرامج التعليمية في كلا التعليمين الأساسي والعالي، حيث يتوجَّه التَّعليم نحو الذاكرة لاسيّما تلك قصيرة المدى، ويزكو دور العقل النظري على العقل العملي والخلقي والروحي والوجداني وحتَّى على حساب التربية البدنية، فيغدو المشروع مشروعَ بناءٍ كائنٍ من المفترض له أن يكون جمالياً، فإذا به مشوّه.

عندما يضعف الجانب الإختباري والمهاراتي في العمليّة التربوية، يتغلَّب الجانب الدعائي والإعلامي اللفظي على الأهداف التربوية، فيغرق الناشئ في شعارات "الحقيقة المقدَّسة" و"التفاعل الإنساني" وغيرها من الصياغات الإنشائية التي تجعل المناهج بعيدةً عن الواقع. ويعبّر المشهد السّياسي خير تعبير عن تغليب القول على الفعل، فتستغرق الخطابات السياسية بإيهام الجماهير عبر وعود ورديّة، وكلمات متّسقة لا تخفي وراءها سوى واقع مرير. هذا الواقع القهري في السّلطات العربية يغذّي القهرية المعرفيّة والتربوية عند الأفراد والجماعات، فليس من جدليّةٍ أعمق تأثيراً من جدليّة السلطة والمعرفة.

وكما تميَّزت السلطات العربية بعدم التَّداول والإبقاء على الماضي، فإنَّ المناهج العلميّة تتّسمّ بالثّبات النّسبي المفتقر للتغييرات والتجديدات، التي من المفترض بها ان تعكس الإنجازات العلميّة العالميّة وأهمّ التّغييرات السّريعة والتّقدّم العلمي والتكنولوجي. هكذا تقف المناهج في أهدافها ثابتة لا تواكب التّطوّرات، خارجةً تماماً عن سلَّم إيقاعات الحراك الإجتماعي والسّياسي، وحتَّى التكنولوجي؛ وتبقى المناهج على حالها دون تطوير، بل يتراكم على أساس ثباتها تدريب المعلّم لتلقين المنهج الثابت دفعةً واحدة، مستغرقاً في الأدبيّات اللفظيّة وتمجيدات الماضي، لا الماضي بالنّسبة ليومنا الحاضر، بل ذاك بالنّسبة ليوم وضعت فيه المناهج تلك.

وتغيب برامج إعداد إنسان المستقبل، والمواطن، وبرامج تشخيص المشكلات الكونيّة وآفاق الحلول العالميّة عن مضمون الكتب المدرسيّة المقرّرة، وهذا كلّه يفرض بشكل غير ديمقراطي غائب عن المشاركات الشعبيّة الحقيقية. وإذا ما رُسِمَت معالم تحديث في المناهج على اساس تكريس الشموليّة المعرفيّة وتنمية المهارات والطرائق من تنظيم وتفسير وتحليل وتركيب ومقارنة وتجريب وتأمّلّ وتقييم، إذا ما رَسَمَت معالم التَّحديث تلك فإنها تبقى حبيسة مناظرات تلفزيونيّة لا تُشاهَد أو كتيّب في الأدراج المكتبيّة لا يخرج إلى العَلَن سوى في مناسبات الوفود الدَّوليّة الزائرة.

هكذا تتسرَّب السلطوية ونزعة القهر من البرامج التعليمية نحو كافّة وسائل الحياة وأساليب التفكير والعمل والتوافق، فلا ينتج عن التسلّط سوى إعادة إنتاج للتسلّط، فتغدو العمليّة التربوية في العالم العربي عمليّة تسكين وترويض وتدجين، لا سيرورة تفاعل وتنمية وإبداع وإعادة إنتاج للإبداع؛ هذه الحلقة المفرغة من القهر والهدر وإعادة إنتاجهما، تحوّل الجيل إلى جيل محبط عقيم عن الإنتاج، غير قادر على التشخيص في المواقف بين الصَّحّ والخطأ، هذا الضعف ينتج عن القدرة الكبيرة على الطَّاعة والخضوع والتنفيذ والإستسلام، فكلّ ما اختبره الفرد منذ نشأته يندرج تحت الجدل العقلي لا البحث المنهجي.

إن العملية التربوية هي الوسلية الموصلة لوسائل الحياة المادية والمعنوية، وهي بدورها التي تصيغ التربية الفردية والإجتماعية، فتطوّر ثقافة الإنسان ككائن إجتماعي حامل لها. وإذا ما كان الإنسان حاملاً لهذه الثقافة التي تولَّدت بظروف تسلطية قهرية، فإنه سيواجه مشكلات بنيوية كفرد إجتماعي، من قبيل التغريب الثقافي والعلاقة اللاندّية مع المعطيات الثقافية والعلمية الغربيّة. هذا الإغتراب يجعل من الفرد كائناً سلبياً محبطاً بسبب إدراكه لضعفه عن مواكبة المجريات، فينكفئ ضمن قوقعةٍ من اللامبالاة وعدم المواكبة للمجريات، فنكون أمام جيل شاب جامد لا نشاط له ولا فعالية في كافة المجالات الإجتماعية والسياسية وغيرهما...

لا يمكن للإنسان العربي أن يحدّ من مشكلة السّلطويّة بدون الرجوع للموطن التربوي الأول: الأسرة، فهي الوسيط الاول والأهمّ من وسائط التنشة الإجتماعية، باعتبارها مجتمعاً قائماً على التعاون والمحبّة وتعزيز الثّقة، مما يشيع الإحساس بالأمان والترغيب والحافزية للفرد، حتى يخرج إلى مجتمعه متحرّراً من الماضوية، شاخصاً ببصره نحو تقويم الحاضر ليخطّط للمستقبل.


أرسل تعليقاتك
شروط الإستخدام
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.
الإنضمام إلينا على فيس بوك Copyright © 2012 - ISLAM MOUASER. All Rights Reserved
Islam